من إسلام آباد إلى الدوحة وسويسرا وصولًا إلى نيويورك، مرّ مسار التفاوض بين طهران وواشنطن خلال عام 2026 بمحطات متلاحقة من التهدئة والتصعيد، وسط محاولات إقليمية لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة رغم انهيار تفاهمات سابقة وعودة المواجهات العسكرية.
أقرا أيضاً: قطر تحذر من الضفة وتواصل وساطتها بين واشنطن وطهران
بدأت الأزمة الراهنة مع اندلاع الحرب في 28 فبراير/شباط 2026، في وقت كانت فيه المحادثات بين الجانبين تسير عبر وساطات عُمانية وقطرية. أدى التصعيد إلى تعطيل المسار الدبلوماسي، قبل أن تتحرك الاتصالات تدريجيًا مع اتساع نطاق الحرب وارتفاع مخاطر امتدادها إلى الممرات البحرية والمنشآت الحيوية في المنطقة.
جذور التفاوض بين طهران وواشنطن
تمتد الاتصالات بين إيران والولايات المتحدة إلى ما قبل الحرب الحالية، إذ شهدت منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قنوات تفاوض متعددة.
أقرا أيضاً: سجال أمريكي إيراني محتدم حول السيطرة على مضيق هرمز
برز الاتفاق النووي الموقع عام 2015 كإحدى أبرز المحطات، إلى جانب مسارات غير مباشرة رعتها سلطنة عُمان وسويسرا. غير أن الخلافات المتراكمة بين الطرفين أبقت التفاهمات المرحلية عرضة للتعثر والانهيار.
خلال الأزمة الحالية، تصاعد حضور قطر وباكستان في جهود الوساطة، بالتزامن مع تحركات من مصر وتركيا والعراق لدعم مسارات التهدئة.
الحرب تعطل المسار الدبلوماسي
في 28 فبراير/شباط 2026، اندلعت الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بالتزامن مع اتصالات غير مباشرة كانت تجري عبر وساطات إقليمية.
أدى التصعيد إلى تعطيل المحادثات، مع اتساع المواجهات لتشمل الممرات البحرية والمنشآت الحيوية، وارتفاع المخاوف من توسع نطاق الحرب إقليميًا.
خلال الأيام الأولى، رفضت طهران استئناف المفاوضات، قبل أن تتحرك قنوات الاتصال مجددًا مع تعثر الحسم العسكري. وكشف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لاحقًا عن رسالة أميركية في اليوم العاشر من الحرب طلبت وقف إطلاق النار، إلا أن طهران رفضتها في ذلك الوقت.
برزت باكستان لاحقًا وسيطًا رئيسيًا، مستفيدة من علاقاتها مع الطرفين وموقعها الجغرافي، بينما واصلت قطر نقل الرسائل ومحاولات تقريب المواقف.
هدنة أبريل ومفاوضات إسلام آباد
في 8 أبريل/نيسان، أسفرت التحركات الدبلوماسية عن إعلان هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، بعد قبول الرئيس الأميركي دونالد ترامب الإطار العام لمقترح إيراني من 10 نقاط، مقابل ضمان طهران عبورًا آمنًا ومنظمًا للسفن في مضيق هرمز لمدة 14 يومًا.
سرعان ما واجهت الهدنة اختبارًا جديدًا، ففي 13 أبريل/نيسان فرضت واشنطن حصارًا بحريًا على حركة الملاحة من إيران وإليها، واعتبرت طهران الخطوة خرقًا للاتفاق. وفي 18 أبريل/نيسان أعلنت إيران إغلاق مضيق هرمز ردًا على استمرار الحصار، مع استمرار الاتصالات عبر الوسطاء.
في 10 أبريل/نيسان، استضافت إسلام آباد وفودًا رفيعة المستوى من الطرفين. ترأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بمشاركة وزير الخارجية عباس عراقجي وخبراء عسكريين وفنيين، بينما قاد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الوفد الأميركي بمشاركة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
استمرت الجلسات الرسمية يومي 11 و12 أبريل/نيسان لنحو 21 ساعة، لكنها انتهت من دون اتفاق نهائي بسبب خلافات حول البرنامج النووي، والوضع في لبنان، ورفع العقوبات والتعويضات.
الخلافات الثلاثة الرئيسية
تركز الخلاف الأول على الملف النووي، إذ طالبت واشنطن بتفتيش واسع للمنشآت النووية، بينما اشترطت طهران وقف العمليات ورفع العقوبات قبل تنفيذ التزامات إضافية.
ارتبط الخلاف الثاني بلبنان، حيث طالبت إيران بوقف الغارات وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني، من دون الحصول على ضمانات أميركية حاسمة، وفق المعطيات الواردة في مسار المفاوضات.
أما النقطة الثالثة فتعلقت بالعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة والتعويضات عن خسائر الحرب، إذ طالبت طهران بالإفراج عنها، بينما رفض الجانب الأميركي المطالب بصيغتها المطروحة.
مذكرة تفاهم لمدة 60 يومًا
خلال أبريل/نيسان ومايو/أيار، استمرت الاتصالات برعاية قطرية وباكستانية لصياغة مسار جديد يقوم على وقف إطلاق النار، يتبعه تفاوض لمدة 60 يومًا بهدف التوصل إلى اتفاق شامل.
في 12 يونيو/حزيران، أعلن رئيس الوزراء الباكستاني التوصل إلى النص النهائي لمذكرة تفاهم تمتد 60 يومًا، قبل أن يوقع مسعود بزشكيان ودونالد ترامب عليها عن بعد في 18 يونيو/حزيران.
شملت المذكرة 14 بندًا تناولت وقف العمليات العسكرية، واحترام السيادة، وإجراء مفاوضات للتوصل إلى معاهدة نهائية، ورفع الحصار البحري الأميركي تدريجيًا، وضمان العبور التجاري في مضيق هرمز.
تضمنت البنود كذلك معالجة ملف العقوبات والأصول المجمدة، والتزامات مرتبطة بالبرنامج النووي، وتشكيل لجنة مشتركة لمتابعة التنفيذ، إلى جانب اعتماد الاتفاق النهائي عبر قرار من مجلس الأمن الدولي وفق الفصل السابع.
سويسرا تبحث آليات التنفيذ
بين 20 و22 يونيو/حزيران، انتقلت المباحثات الفنية الخاصة بتنفيذ مذكرة التفاهم إلى سويسرا برعاية سويسرية وقطرية وباكستانية، وبمشاركة قاليباف وفانس.
تناولت المناقشات إنهاء الحرب في لبنان، وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، والإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع العقوبات النفطية. كما اتفق المشاركون على تشكيل لجان فنية لوضع آليات تنفيذ التفاهم.
عاد التوتر إلى المسار التفاوضي بعد تهديدات أطلقها ترامب تجاه الوفد الإيراني، ما دفع طهران إلى وقف المسار المباشر والعودة إلى القنوات غير المباشرة.
الدوحة ومحاولة إنقاذ التفاهم
في 24 مايو/أيار، توجه قاليباف وعراقجي إلى الدوحة لبحث ترتيبات الإفراج عن 12 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة.
وفي 1 يوليو/تموز، استضافت الدوحة مباحثات فنية شارك فيها وفد إيراني برئاسة كاظم غريب آبادي، إلى جانب مسؤولين قطريين وباكستانيين.
بحثت الاجتماعات الخروقات التي تقول طهران إنها وقعت للبند المتعلق بلبنان، إضافة إلى التحركات العسكرية في المنطقة، مع الاتفاق على إنشاء قناة اتصال ساخنة لمعالجة أوجه التقصير.
ناقشت الأطراف كذلك آليات استخدام دفعة أولية قدرها 6 مليارات دولار لتأمين السلع الأساسية لإيران، بينما أجرى الوفد الأميركي برئاسة ويتكوف وكوشنر مباحثات منفصلة مع القيادة القطرية من دون لقاء مباشر مع الجانب الإيراني.
خلاف مضيق هرمز يعمّق الأزمة
تركز جانب أساسي من الخلاف لاحقًا على تفسير البند المتعلق بمضيق هرمز. رأت واشنطن أن النص يضمن حرية الملاحة التجارية، بينما تمسكت طهران بحقها في الرقابة والتفتيش لمنع نقل ما تعتبره شحنات عسكرية.
في 8 يوليو/تموز، تصاعد الموقف بعد اعتراض القوات البحرية الإيرانية سفنًا تجارية حاولت استخدام مسار جنوبي بمحاذاة المياه العُمانية. أعقب ذلك قصف أميركي لمواقع في جنوب إيران، ورد إيراني على أهداف في المنطقة.
استمرت المواجهات قرابة أسبوعين خلال يوليو/تموز، ما وضع مذكرة إسلام آباد أمام أزمة جديدة. وفي 17 أغسطس/آب، أعلن ترامب أن المذكرة أصبحت لاغية وغير صالحة قبل انتهاء مهلة الـ60 يومًا.
نيويورك تعيد فتح قناة التفاوض
مع انعقاد الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عادت الوساطة القطرية إلى الواجهة، وتمكنت الدوحة من إعادة الاتصالات غير المباشرة بين طهران وواشنطن.
في 22 سبتمبر/أيلول، تولى الوسيط القطري نقل الرسائل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف ومستشار الرئيس الأميركي جاريد كوشنر، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية مكثفة على هامش اجتماعات الأمم المتحدة.
جاءت الاتصالات بعد كلمة لترامب أمام الجمعية العامة تحدث خلالها عن فرص التوصل إلى اتفاق، بالتوازي مع رسائل تحذير وتصعيد تجاه إيران.
طهران تطرح "خطة الأيام السبعة"
في 24 سبتمبر/أيلول، كشف عراقجي عن مقترح إيراني جديد أطلق عليه "خطة الأيام السبعة"، موضحًا أن طهران مستعدة لإعادة فتح مضيق هرمز في نهاية المهلة إذا وافقت واشنطن على الشروط المطروحة ونفذتها.
تطرح الخطة إطارًا زمنيًا لإجراءات متبادلة يمكن أن تمهد لاستئناف المفاوضات، بدلًا من استهداف اتفاق نهائي خلال أسبوع واحد.
تشمل المبادرة، بحسب عراقجي، خطوات مرتبطة بالملاحة في مضيق هرمز مقابل تخفيف الضغوط العسكرية والاقتصادية الأميركية على إيران.
أجرى وزير الخارجية الإيراني كذلك مباحثات جديدة مع الوسيط القطري في آخر أيام وجوده بنيويورك، مؤكدًا نقل المبادرة إلى الجانب الأميركي، ومشددًا على عدم تقديم تنازلات إضافية في الملف النووي خارج الأطر المحددة مسبقًا.
مسار تفاوضي مفتوح
تنتظر طهران الرد الأميركي على المقترح الجديد لتحديد الخطوة التالية، فيما تبقى ملفات البرنامج النووي والعقوبات والأصول المجمدة ومضيق هرمز والوضع الإقليمي في صدارة القضايا الخلافية.
منذ اندلاع الحرب، انتقل المسار من هدنة مؤقتة إلى اجتماعات إسلام آباد، ثم مذكرة تفاهم متعددة البنود، فجولات فنية في سويسرا والدوحة، قبل انهيار التفاهم وعودة الاتصالات غير المباشرة في نيويورك.
ترتبط المرحلة المقبلة بمدى قدرة الوسطاء على تقريب مواقف الطرفين بشأن الملفات الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها العقوبات والبرنامج النووي وحرية الملاحة في مضيق هرمز.