تتجاوز الأزمة الاقتصادية اللبنانية ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم إلى تحول أعمق في بنية الاقتصاد، بعدما تراجعت القدرة الإنتاجية والدخول، بينما بقيت كلفة العديد من السلع والخدمات عند مستويات مرتفعة تقترب من اقتصادات أكثر ثراءً.
أقرا أيضاً:سلام يطالب واشنطن بجدول زمني للانسحاب الإسرائيلي
الباحث الاقتصادي سامي زغيب، مدير الأبحاث في «The Policy Initiative»، قال خلال برنامج «3:15 اقتصاد» على قناة RED TV إن جوهر المشكلة لم يعد مرتبطًا بالتضخم وحده، بل بالتغيرات التي طرأت على هيكل الاقتصاد اللبناني منذ بدء الأزمة.
انكماش حاد مع تضخم مرتفع
بحسب زغيب، ينتمي لبنان إلى مجموعة محدودة من الاقتصادات التي سجلت في الوقت نفسه انكماشًا يتجاوز 10% وتضخمًا يتخطى 10%، مشيرًا إلى لبنان وغزة وهايتي ضمن هذه المقارنة.
هذا التزامن بين انكماش النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار يعكس اتساع الفجوة بين حجم الاقتصاد وقدرة السكان على تلبية احتياجاتهم اليومية، خصوصًا مع تراجع الدخول الحقيقية وارتفاع كلفة الخدمات الأساسية.
أسعار قريبة من دبي وأجور أقل
يقدم زغيب مثالًا على الفارق بين الأسعار ومستوى الدخل من خلال كلفة الوجبة الغذائية، موضحًا أن متوسط سعرها في لبنان يبلغ نحو 12 دولارًا، وهو مستوى يقترب من الأسعار في دبي.
أقرا أيضاً:عون يطرح أمام الكونغرس شروط تهدئة الجنوب اللبناني
غير أن الفارق يظهر عند مقارنة الوقت اللازم لتغطية هذه الكلفة؛ إذ يحتاج العامل في دبي، وفق المثال الذي أورده، إلى نحو 30 دقيقة من العمل لتأمين قيمة الوجبة، مقابل قرابة 3 ساعات للعامل في لبنان.
ويعني ذلك أن مستوى الأسعار لا يمكن قراءته بمعزل عن الأجور والإنتاجية، لأن السلعة نفسها قد تمثل عبئًا محدودًا على دخل في اقتصاد، بينما تستنزف جزءًا كبيرًا من دخل العامل في اقتصاد آخر.
تحويلات المغتربين تسد فجوة الدخل
تساعد تحويلات اللبنانيين المقيمين في الخارج الأسر على الحفاظ على مستويات من الإنفاق تتجاوز أحيانًا ما تسمح به الدخول المتولدة داخل الاقتصاد المحلي.
غير أن هذه التدفقات لا تعالج تلقائيًا ضعف الإنتاج أو محدودية فرص العمل، كما يمكن أن يؤدي ارتفاع الطلب الناتج عن امتلاك بعض الأسر قدرة إنفاق أعلى إلى زيادة أسعار بعض السلع والخدمات، ما يضيف ضغطًا على المقيمين الذين يعتمدون بصورة أكبر على دخولهم المحلية.
بذلك تتحول التحويلات إلى وسيلة مهمة لسد فجوة الدخل بالنسبة إلى كثير من الأسر، لكنها لا تعوض الخلل القائم بين الاستهلاك والإنتاج.
نقص البيانات يعرقل رسم السياسات
تواجه عملية معالجة الأزمة مشكلة أخرى تتمثل في محدودية البيانات الاقتصادية والاجتماعية الدقيقة، خصوصًا ما يتعلق بتوزيع الدخول، وحجم الطبقات الاجتماعية، ومستويات الفقر، والتغيرات التي طرأت على القدرة الشرائية للأسر.
ويؤكد زغيب أن الأرقام تمثل أساسًا لفهم الاقتصاد ووضع السياسات، إذ يصعب تحديد الفئات الأكثر احتياجًا أو قياس أثر الإجراءات الحكومية من دون بيانات حديثة وموثوقة.
كما أن غياب صورة دقيقة عن أوضاع الأسر يحد من قدرة المؤسسات على تصميم برامج دعم تستهدف الفئات المتضررة بصورة مباشرة بدل اعتماد إجراءات عامة قد لا تعكس التفاوتات القائمة.
تراجع القدرة على الوصول إلى العلاج
تظهر تداعيات الأزمة كذلك في القطاع الصحي، حيث أصبحت كلفة العلاج تشكل عبئًا متزايدًا على الأسر، خصوصًا في حالات الأمراض المزمنة والخطيرة.
ولا يقتصر أثر ارتفاع النفقات الصحية على قيمة الفاتورة الطبية، بل يمتد إلى قدرة الأسرة على الاستمرار في تحمل تكاليف العلاج إلى جانب الغذاء والسكن والنقل وسائر الاحتياجات الأساسية.
هذا الوضع يجعل القدرة على الوصول إلى الخدمات الصحية أحد المؤشرات المهمة لقياس مستوى المعيشة، إلى جانب مؤشرات الدخل والأسعار.
اقتصاد يحتاج إلى إعادة هيكلة
يرتبط الخلل الحالي، وفق الطرح الذي قدمه زغيب، بنموذج اقتصادي لم يعد قادرًا على العمل بالشكل الذي كان قائمًا قبل الأزمة. لذلك فإن العودة إلى النموذج السابق وحدها لا تكفي لمعالجة المشكلات المتراكمة.
تحتاج المعالجة إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك، وتعزيز القطاعات القادرة على توليد فرص العمل والدخل، إلى جانب معالجة الاختلالات المالية والنقدية التي أثرت في الاقتصاد خلال السنوات الماضية.
كما يتطلب ذلك تحسين بيئة الأعمال والاستثمار، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتطوير شبكات الحماية الاجتماعية، ورفع قدرة المؤسسات على جمع البيانات الاقتصادية والاجتماعية وتحليلها.
ترتبط الفجوة الحالية بسلسلة من التداعيات التي بدأت مع الأزمة المالية اللبنانية، ثم ترافقت مع تراجع سعر صرف الليرة وارتفاع معدلات التضخم وانكماش النشاط الاقتصادي. وانعكست هذه التطورات على الأجور والمدخرات والقدرة الشرائية، بينما ارتفعت كلفة السلع والخدمات الأساسية.
أدى تراجع قيمة الدخول الحقيقية إلى تغيير أنماط الاستهلاك لدى الأسر، في وقت ظلت فيه قطاعات واسعة تعتمد على الاستيراد لتأمين احتياجاتها. ومع ارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات، أصبحت الأسعار أكثر انفصالًا عن مستوى الدخول المحلية.
الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج
تتمثل إحدى المشكلات الأساسية في اتساع المسافة بين ما يستهلكه الاقتصاد وما يستطيع إنتاجه داخليًا. فالتحويلات الخارجية تساعد على تمويل الاستهلاك، لكنها لا تعني بالضرورة توسعًا مماثلًا في الإنتاج أو فرص العمل.
هذا الاختلال يجعل الاقتصاد أكثر حساسية للصدمات الخارجية، خصوصًا تغير أسعار الطاقة والغذاء والنقل، كما يزيد أهمية تدفقات العملات الأجنبية في الحفاظ على النشاط الاقتصادي.
من أزمة أسعار إلى أزمة نموذج اقتصادي
لم تعد الأزمة اللبنانية مسألة ارتفاع مؤقت في أسعار بعض السلع، بل أصبحت مرتبطة بكيفية توزيع الدخل، ومصادر النمو، وقدرة الاقتصاد على الإنتاج، ومستوى الخدمات العامة، ومدى توفر الحماية الاجتماعية.
تظهر الفجوة بوضوح عندما تكون أسعار السلع قريبة من مستويات اقتصادات ذات دخول مرتفعة، بينما تبقى أجور شريحة واسعة من اللبنانيين أدنى بكثير من تلك المستويات.
معالجة هذا الخلل تتطلب الانتقال من التعامل مع النتائج المباشرة للأزمة إلى معالجة جذورها الاقتصادية، عبر استعادة القدرة الإنتاجية، وتحسين البيانات، وتعزيز فرص العمل والدخل، وربط السياسات الاقتصادية بمؤشرات واضحة عن مستويات المعيشة والاحتياجات الفعلية للسكان.