إعلانات تفتح باب المساءلة
قبل أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الأميركية، أثارت سلسلة إعلانات تلفزيونية ممولة من الحكومة وتظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً، بعدما رأى منتقدون أنها تتجاوز حدود الرسائل الحكومية التقليدية وتقترب في مضمونها وشكلها من الخطاب الانتخابي.
وبحسب تقديرات حديثة، أنفقت الحكومة الأميركية ما لا يقل عن 1.7 مليون دولار لبث ثلاثة إعلانات تلفزيونية مختلفة يظهر فيها ترامب، فيما تحمل الإعلانات عبارة تفيد بأنها "مدفوعة من الحكومة الأميركية".
اقرأ أيضاً: كالاس تعود إلى دمشق.. لقاء جديد مع الشيباني وسط تحرك أوروبي
رسائل سياسية
بُثت الإعلانات على نطاق وطني، بما في ذلك خلال برامج رياضية وترفيهية ذات نسب مشاهدة مرتفعة.
وفي أحد المقاطع، يظهر ترامب متحدثاً عن مواجهة الشيوعية والاشتراكية، بينما يستعرض إعلان آخر ما يصفه بـ"العصر الذهبي لأميركا"، مستخدماً صوراً للرئيس ومعالم وطنية بارزة.
أما الإعلان الثالث، الذي حمل عنوان "المعركة الأخيرة"، فيستخدم لقطات لترامب وهو يتحدث عن مواجهة ما يسميه "الدولة العميقة" وخصومه السياسيين، في صياغة تتقاطع بدرجة كبيرة مع خطاب حملته الانتخابية السابقة. كما استُخدمت في أحد الإعلانات مواد سبق أن ظهرت في حملة ترامب الرئاسية لعام 2024.
أسئلة قانونية
الجدل لا يتعلق بمضمون الإعلانات فقط، بل بمصدر تمويلها أيضاً.
وتحظر قواعد المخصصات الفيدرالية استخدام الأموال الحكومية في مواد دعائية أو حزبية بحتة، فيما حددت قرارات سابقة لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي ثلاث فئات رئيسية قد تثير إشكالات: الدعاية الخفية، والمواد التي تهدف إلى تمجيد الجهة أو المسؤول، والمواد الحزبية البحتة.
ويقول منتقدون إن التركيز المتكرر على صورة الرئيس وشعاراته السياسية يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الإعلانات مرتبطة فعلاً بوظيفة حكومية محددة، أم أنها تتجاوز ذلك إلى الترويج السياسي.
وفي المقابل، لا يعني الجدل القانوني أن مخالفة قد ثبتت بالفعل؛ إذ تعتمد المسألة على طبيعة المحتوى والغرض الرسمي المعلن عنه ومصدر التمويل وكيفية تطبيق القيود القانونية على الحالة المحددة.
قانون هاتش
كما طُرح قانون هاتش لعام 1939 في النقاش، باعتباره يقيّد النشاط السياسي لبعض موظفي السلطة التنفيذية الفيدرالية.
لكن القانون، وفق مكتب المستشار الخاص الأميركي، يستثني الرئيس ونائب الرئيس من نطاق تطبيقه المباشر، بينما يخضع معظم موظفي السلطة التنفيذية للقيود المنصوص عليها فيه. ولذلك تتركز إحدى المسائل القانونية المحتملة على دور الموظفين والجهات الحكومية في إعداد أو تنفيذ أي نشاط سياسي، وليس على تطبيق القانون على ترامب نفسه.
انتقادات من الحزبين
لم تقتصر الاعتراضات على الديمقراطيين.
فقد انتقد زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ جون ثون استخدام أموال دافعي الضرائب لتمويل هذه الإعلانات، رغم إشارته إلى إعجابه ببعض مضمون الرسائل.
كما عبّر السيناتور الجمهوري جون كينيدي عن رفضه لاستخدام المال العام للترويج لمسؤول سياسي، في وقت وجّه فيه الديمقراطيون انتقادات أشد للإعلانات وطالب بعضهم بوقف بثها.
وتتجاوز القضية بذلك الانقسام التقليدي بين الحزبين، لتصل إلى سؤال أوسع بشأن الحدود الفاصلة بين التواصل الحكومي المشروع والترويج السياسي الممول من الخزانة العامة.
دفاع البيت الأبيض
في المقابل، يدافع البيت الأبيض عن الإعلانات باعتبارها "إعلانات خدمة عامة"، ويقول إنها تهدف إلى تعزيز الوطنية وتذكير الأميركيين بما يجعل البلاد جديرة بالدفاع عنها، وليس إلى دعم حملة انتخابية.
كما يستند البيت الأبيض إلى أمثلة من إدارات سابقة استخدمت أموالاً حكومية لتمويل حملات إعلامية مرتبطة بسياسات وبرامج عامة، مشدداً على أن ترامب ليس مرشحاً في انتخابات التجديد النصفي ولا تتضمن الإعلانات دعوة مباشرة للتصويت.
لكن هوية الجهة الحكومية التي موّلت الإعلانات وتفاصيل التكلفة الإجمالية بقيت موضع تساؤلات، في وقت يتصاعد فيه الاهتمام بالإنفاق الحكومي قبل الانتخابات.
معركة على المال العام
يأتي الجدل في توقيت حساس، إذ تستعد الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 تشرين الثاني، بينما تشهد الساحة السياسية نشاطاً إعلانياً واسعاً من الأطراف والحملات المرتبطة بالحزبين.
وبينما يعتبر البيت الأبيض المقاطع رسائل وطنية ذات طابع خدمي، يرى منتقدون أن ظهور الرئيس بصورة مركزية واستخدام عبارات مرتبطة بخطابه السياسي السابق يجعلان الحدود بين الإعلان الحكومي والدعاية السياسية أكثر التباساً.