ثلاث شرائح واختبار صعب
دخلت سوق المازوت في سوريا مرحلة جديدة مع اعتماد وزارة الطاقة ثلاثة أسعار للمادة بحسب المواصفات والاستخدام، تبدأ من 115 ليرة لليتر لـ المازوت المدعوم، مروراً بـ150 ليرة للاستخدامات الإنتاجية والخدمية، وصولاً إلى 175 ليرة للمازوت بالمواصفات القياسية.
وبينما تستهدف الآلية الجديدة تخفيف كلفة التدفئة والزراعة وبعض القطاعات الإنتاجية، تطرح فروقات الأسعار تحدياً آخر يتمثل في منع تسرب المادة المدعومة إلى السوق السوداء، وضمان وصول كل شريحة إلى المستفيدين منها وفق ضوابط واضحة.
اقرأ أيضاً: قبلاوي يعتذر.. تصريح "القطيع" يشعل الجدل حول السورية للبترول
فروقات واسعة
يبلغ الفارق بين السعر الأدنى والأعلى 60 ليرة لليتر، ما يعادل نحو 52% مقارنة بسعر الشريحة المدعومة. وترى تقديرات اقتصادية أن هذا التفاوت قد يفتح نظرياً المجال أمام إعادة بيع المادة المدعومة أو تحويلها بين الاستخدامات، ما لم ترافقه آليات دقيقة للتوزيع والتتبع والرقابة.
وتنص الآلية الجديدة على تخصيص المازوت بسعر 115 ليرة للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، فيما يوجه سعر 150 ليرة لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الهندسية والثقيلة، مع استمرار توفير المازوت القياسي بسعر 175 ليرة.
اقرأ أيضاً: الراتب أمام كلفة المعيشة.. فجوة تتسع في سوريا
الجودة في الواجهة
يرتبط أحد مفاتيح ضبط السوق بالفوارق في المواصفات الفنية بين أنواع المازوت، إذ قد تحد جودة المادة من رغبة بعض المنشآت والمصانع في استبدال الوقود المخصص لمعداتها بنوع أقل كلفة إذا كان لا يتوافق مع متطلبات التشغيل.
لكن هذا العامل وحده لا يحسم المشكلة، خصوصاً في حال وجود فارق سعري كبير، إذ يمكن أن تظهر محاولات للاتجار بالكميات المدعومة أو الحصول عليها بطرق غير مخصصة للمستفيدين.
اقرأ أيضاً: قمح الحسكة أمام اختبار الجودة.. خطة جديدة لحماية البذار
التوزيع تحت الاختبار
تشير المعطيات الرسمية إلى أن إنتاج المصافي المحلية المعاد تشغيلها سيخصص لتأمين المازوت المدعوم بسعر 115 ليرة، بطاقة تصل إلى 35 ألف برميل يومياً من النفط الخام، مع تنظيم التوزيع بالتنسيق بين الشركة السورية للبترول والمحافظات والجهات المعنية. كما جرى تأمين النوع الثاني بسعر 150 ليرة بالتعاون مع دول أخرى، بينما يستمر طرح المازوت القياسي بسعر 175 ليرة.
ويجعل اتساع قاعدة المستفيدين من الشريحة المدعومة مسألة تحديد الكميات وآليات الاستحقاق عاملاً أساسياً في نجاح النظام، خصوصاً أن أي خلل في تحديد الحصص قد يحول الدعم من وسيلة لتخفيف الأعباء إلى مصدر للمتاجرة بالفروقات السعرية.
النقل أمام الكلفة
لا تتوقف تداعيات تعدد الأسعار عند سوق المحروقات، إذ يرتبط المازوت مباشرة بتكاليف النقل والإنتاج والتبريد والخدمات.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن ارتفاع تكلفة الوقود المستخدم في النقل قد ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، في حين يمكن للسعر المدعوم المخصص للزراعة أن يخفف جزءاً من الأعباء عن المنتجين.
وبحسب تقديرات رسمية، فإن تعدد شرائح المازوت قد يحد من بعض الضغوط على الأسعار، لكنه لا يعني بالضرورة انخفاض تكاليف النقل، التي تتأثر أيضاً بعمر الآليات وكفاءتها وحجم استهلاكها للوقود.
الرقابة الرقمية
يبرز ضبط حركة المادة بين محطات التوزيع والمستهلكين باعتباره التحدي الأهم أمام النظام الجديد، إذ يتطلب منع التسرب أكثر من عمليات تفتيش تقليدية على الصهاريج والمحطات.
وتطرح المقاربة الاقتصادية ضرورة ربط الدعم ببيانات المستفيدين والكميات المخصصة لكل أسرة أو منشأة أو مزرعة، إلى جانب تتبع عمليات التسليم إلكترونياً، بما يقلل فرص إعادة البيع أو الحصول على المادة خارج الفئة المحددة لها.
كما أن الرقابة لا تقتصر على السوق، بل تشمل المستودعات والمنشآت المستفيدة للتأكد من استخدام كل نوع من المازوت في الغرض الذي خصص له.
الدعم النقدي
في مقابل نظام الشرائح السعرية، يبرز خيار آخر يقوم على بيع المازوت بسعر موحد، مع تقديم دعم نقدي مباشر للفئات المستحقة بدلاً من دعم المادة نفسها.
ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره أكثر وضوحاً من ناحية تتبع الدعم، لكنه يحتاج إلى بنية مصرفية ورقمية قادرة على تحديد المستحقين وتحويل التعويضات إليهم بكفاءة، فضلاً عن قدرة مالية على تمويله.
نجاح الآلية يتجاوز السعر
لا يتوقف نجاح نظام الأسعار الثلاثية على تحديد سعر مناسب لكل فئة، بل يرتبط بقدرة الجهات المعنية على ضمان جودة المادة، وتحديد المستفيدين بدقة، وتأمين الإمدادات، ومراقبة الكميات منذ خروجها من مصادر الإنتاج حتى وصولها إلى المستهلك.
وبينما قد يساعد اختلاف المواصفات على الحد من بعض عمليات الاستبدال بين الشرائح، فإن فارق الأسعار يظل عاملاً محفزاً لأي سوق موازية في حال ضعف الرقابة. لذلك، يبقى الاختبار الحقيقي للآلية في كفاءة التوزيع والتتبع والرقابة، وليس في تعدد الأسعار وحده.