قمح الحسكة أمام اختبار الجودة.. خطة جديدة لحماية البذار

جاسم عليوي - الحسكة - وكالة أنباء آسيا

2026.09.29 - 09:12
Facebook Share
طباعة

البداية من البذار
تدخل زراعة القمح في الجزيرة السورية مرحلة جديدة من التحديات، مع تصاعد المخاوف بشأن نقاوة البذار وتعدد الأصناف المتداولة واحتمال انتقال بعض الأمراض والآفات إلى الموسم المقبل، في وقت تسعى الجهات الزراعية إلى تشديد الفحوص وتوسيع عمليات الغربلة وإنتاج بذار محلي معتمد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الحسكة والرقة ودير الزور، التي تشكل ثقلاً رئيسياً في إنتاج القمح السوري. فقد تصدرت الحسكة المحافظات من حيث الكميات المسلّمة خلال موسم 2026، بأكثر من 907 آلاف طن حتى منتصف تموز، فيما جاءت الرقة في المرتبة التالية بنحو 341 ألف طن.

اقرأ أيضاً: جنوب سوريا تحت وطأة المداهمات الإسرائيلية.. منازل تُفتش وشبان يُحتجزون


خلط الأصناف
يرى مختصون وتجار في الحسكة أن أحد أبرز التحديات يتمثل في تداول بذار مختلط بين أصناف القمح القاسي والطري، إلى جانب تفاوت مستويات النقاوة والجودة في بعض الكميات المتاحة للمزارعين.
ويحذر مختصون من أن الخلط الصنفي قد يؤدي إلى تفاوت في مواعيد الإنبات والنضج وطول النباتات داخل الحقل الواحد، ما ينعكس على انتظام المحصول وإدارته خلال مراحل النمو والحصاد.
كما تبرز مخاوف أخرى مرتبطة بالبذار غير المطابق للمواصفات، ولا سيما في حال عدم إخضاعه للفحص المخبري أو عدم التأكد من صلاحيته للزراعة.

اقرأ أيضاً: الإسكان السورية تفتح ملف تعويضات ملاك أراضي قدسيا مجدداً


مخاطر الأمراض
لا تتوقف التحديات عند نقاوة الصنف، إذ يشير مختصون إلى مخاطر مرتبطة بالأمراض الفطرية وبعض الآفات التي يمكن أن تنتقل عبر البذار أو التربة.
ومن بين المخاوف المطروحة أمراض التفحم ونيماتودا ثآليل القمح، إضافة إلى أمراض فطرية أخرى يمكن أن تؤثر في نمو النبات وكثافته وإنتاجيته.
كما يمكن للعوامل المناخية أن تزيد من صعوبة السيطرة على الأمراض، خصوصاً مع تقلبات درجات الحرارة والرطوبة وتفاوت توقيت هطول الأمطار.
ويشير مختصون إلى أن تكرار زراعة القمح من دون اتباع دورات زراعية مناسبة قد يسهم بدوره في زيادة الضغط المرضي على التربة والمحصول، ما يجعل اختيار الصنف ومعاملة البذار ومراقبة الحقول مراحل مترابطة في حماية الإنتاج.


السوق تحت المراقبة
تثير نوعية البذار المتداولة في الأسواق تساؤلات أخرى، مع حديث تجار ومزارعين عن وجود أصناف متعددة ومختلطة المصدر، بينها بذار محلي وأخرى دخلت عبر قنوات تجارية مختلفة.
ويرى عاملون في سوق الحبوب أن استمرار تداول البذار من دون رقابة كافية على الصنف ومصدره ونسبة إنباته قد يخلق تفاوتاً كبيراً بين الحقول، ويزيد صعوبة الحفاظ على صفات الأصناف المعتمدة.
وتبرز هنا أهمية الفصل بين القمح المعد للاستهلاك والقمح المخصص للإكثار، إذ يتطلب الأخير مستويات أعلى من الرقابة والفحص لضمان انتقال الصفات الوراثية المطلوبة إلى الموسم التالي.


لجان لفحص الحقول
في المقابل، تقول المؤسسة العامة لإكثار البذار إن إجراءات الرقابة تبدأ من الحقول المتعاقد عليها ولا تنتهي عند مرحلة الحصاد.
وبحسب المؤسسة، جرى تشكيل لجنة مركزية تضم ممثلين عن البحوث العلمية الزراعية ووزارة الزراعة والمؤسسة العامة لإكثار البذار للكشف على حقول القمح المتعاقد عليها في الرقة ودير الزور، وتقييم مدى مطابقتها للمواصفات الصنفية المعتمدة.
وتشمل العملية رفض الحقول المزروعة بأصناف غير معتمدة أو المخالفة للمواصفات، فيما تستمر متابعة الحقول المقبولة حتى الحصاد وتسلم الإنتاج.
كما تخضع الكميات المستلمة لاختبارات تتعلق بالنقاوة الصنفية ونسب الإنبات والشوائب قبل اعتمادها كبذار.
وتشير بيانات رسمية إلى أن المؤسسة أجرت خلال موسم استلام محصول البذار فحوصاً لأكثر من ألف عينة من الحقول المتعاقد عليها، بهدف تحديد درجة البذار ومدى مطابقتها للمعايير الفنية المعتمدة.


بذار محلي للموسم المقبل
تعمل المؤسسة بالتوازي على تنفيذ خطة لإكثار بذار القمح خلال الموسم الزراعي 2026-2027، تشمل الحسكة والرقة ودير الزور.
وتستند الخطة إلى استخدام أصناف محلية معتمدة وتوزيعها وفق ما يعرف بـ"الخارطة الصنفية"، التي تحدد الأصناف الملائمة لكل منطقة زراعية استناداً إلى خصائصها المناخية والتربة والظروف الزراعية فيها.
ويهدف هذا المسار إلى تقليل الخلط بين الأصناف، وتحسين انتظام المحاصيل، وتأمين بذار يطابق المواصفات المطلوبة قبل وصوله إلى المزارعين.


الغربلة تعود إلى الواجهة
وتشكل عمليات الغربلة إحدى الأدوات الأساسية في تحسين جودة البذار، إذ تساعد في التخلص من الشوائب والبذور غير المرغوبة وتحسين درجة النقاوة قبل التخزين والتوزيع.
وفي دير الزور، استأنف فرع المؤسسة العامة لإكثار البذار أعمال غربلة البذار وتعقيمه بعد توقف دام 14 عاماً، وذلك عقب تزويده بغرابيل جديدة ضمن خطة لتطوير الفروع وزيادة طاقتها الإنتاجية.
وتأتي هذه الخطوة في سياق أوسع لتوسيع قدرات المؤسسة على معالجة البذار وفحصه، بما يتيح رفع كفاءة عمليات الإكثار وتقليل احتمالات وصول بذار غير مطابق إلى الحقول.


الجودة تبدأ قبل الزراعة
لا ترتبط جودة القمح النهائي بمرحلة الحصاد وحدها، بل تبدأ من اختيار الصنف المناسب، مروراً بجودة البذار ونقاوته ومعالجته، ثم طريقة التخزين والزرع والمتابعة خلال مراحل النمو.
وكانت الجهات المختصة قد عززت خلال موسم تسويق القمح عمليات تحليل العينات في الحسكة والرقة ودير الزور، عبر فرق فنية للتأكد من مطابقة المحصول للمواصفات القياسية السورية.
وتكشف هذه الإجراءات عن أهمية بناء سلسلة رقابة متكاملة، تبدأ من الحقول المخصصة لإنتاج البذار ولا تنتهي عند توزيعه على المزارعين.


اختبار الاستدامة
يمثل موسم 2026 نقطة مهمة بالنسبة إلى إنتاج القمح السوري، بعدما استعادت المنطقة الشرقية دورها الرئيسي في الإنتاج. وتشير بيانات رسمية إلى أن الحسكة وحدها شكلت نحو 37% من إنتاج القمح المتوقع في سوريا، فيما أسهمت عودة الحسكة والرقة ودير الزور إلى الدورة الإنتاجية في رفع الإنتاج العام.
لكن زيادة الكميات لا تعني بالضرورة ضمان استدامة الإنتاج، إذ تبقى جودة البذار عاملاً أساسياً في الحفاظ على الإنتاجية ومقاومة الأمراض والتكيف مع الظروف المناخية المتغيرة.
ولهذا تركز الخطة الجديدة على تأمين بذار معتمد، وتوسيع الفحوص، وتحسين الغربلة، ومتابعة الحقول منذ الزراعة حتى تسلم الإنتاج. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 2

اقرأ أيضاً