الإعمار السوري أمام اختبار حماية الملكية وحقوق العائدين

وكالة أنباء آسيا

2026.09.28 - 12:43
Facebook Share
طباعة

مع استعداد سوريا لمرحلة واسعة من إعادة الإعمار، تتزايد الاستثمارات والتعهدات المالية المرتبطة بإعادة بناء البنية التحتية والمناطق المتضررة، بالتزامن مع عودة ملايين اللاجئين والنازحين إلى مناطقهم، في وقت تثير فيه قضايا السكن والأراضي والملكية والتعويضات أسئلة حول الإطار القانوني الناظم لهذه العملية.
وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير صدر في 27 أيلول/سبتمبر إن صفقات إعادة الإعمار بمليارات الدولارات تمضي بينما لا تزال الأطر القانونية الناظمة للعملية، بحسب تقييمها، تفتقر إلى ضمانات كافية تفرض التشاور مع السكان المتضررين قبل إقرار المشاريع.

اقرأ أيضاً: سوريون مجنّسون وأصحاب أذونات يحتجون على قيود باب السلامة


وأشارت المنظمة إلى أن الحكومة السورية أعلنت في آذار/مارس 2026 خطة وطنية للتعافي، أعقبتها تعهدات دولية بمليارات الدولارات للمساعدات والتمويل والاستثمار، لكنها قالت إن القواعد القانونية الحالية لا تلزم الحكومة أو المطورين بإشراك المجتمعات المتضررة، بمن فيهم النازحون، في القرارات المتعلقة بمنازلهم وأراضيهم.

اقرأ أيضاً: معلمو الأشرفية وعفرين يطالبون برواتبهم وحقوقهم الوظيفية


حجم الدمار يفرض تحدياً استثنائياً
وتأتي هذه المخاوف في وقت تواجه فيه سوريا احتياجات ضخمة لإعادة البناء. ووفق تقييم لـ البنك الدولي صدر في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بلغت الأضرار المادية المباشرة الناجمة عن الحرب نحو 108 مليارات دولار، فيما قُدرت كلفة إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار في المتوسط، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. وشملت التقديرات أضراراً واسعة في البنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية.
وفي موازاة حجم الاحتياجات، تتسع قائمة الاستثمارات والتعهدات المرتبطة بمرحلة إعادة الإعمار. فقد أعلنت السعودية التزاماً باستثمارات تبلغ 6.4 مليارات دولار في قطاعات العقارات والبنية التحتية والاتصالات والطاقة، بينما تعهدت قطر باستثمارات بقيمة 4 مليارات دولار.

اقرأ أيضاً: فديات ضخمة ومصائر مجهولة تلاحق ضحايا الخطف بسوريا


كما حصلت شركة «موانئ دبي العالمية» على امتياز لمدة 30 عاماً لتشغيل ميناء طرطوس، في حين وافق البنك الدولي على مشاريع ممولة بمنح تتجاوز مليار دولار، إلى جانب تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 620 مليون يورو للمساعدات الإنسانية والتعافي الاجتماعي والاقتصادي خلال عامي 2026 و2027.


لكن حجم التعهدات لا يعني بالضرورة أن الأموال المعلنة تحولت بالكامل إلى مشاريع منفذة، إذ أشارت تقديرات وردت في التقرير إلى وجود فجوة بين الإعلانات والاستثمارات التي وصلت فعلياً إلى الأرض.
عودة ملايين السوريين وسط خدمات محدودة
ويتزامن ذلك مع حركة عودة واسعة للسوريين إلى مناطقهم. وبحسب تقرير للجنة الإنقاذ الدولية صدر في تموز/يوليو 2026، عاد أكثر من 3.5 ملايين لاجئ ونازح سوري إلى مجتمعاتهم منذ كانون الأول/ديسمبر 2024.
غير أن التقرير أشار إلى أن بعض عمليات العودة جاءت في ظل تدهور ظروف النزوح، وانتهاء أو تراجع المساعدات، وارتفاع تكاليف الإيجارات، إلى جانب أوضاع قانونية غير مستقرة. كما خلصت أبحاث اللجنة إلى أن كثيراً من العائدين وجدوا أنفسهم أمام مساكن متضررة وخدمات أساسية غير متوفرة بالقدر الكافي.


ولا يزال نحو 5.5 ملايين شخص نازحين داخل سوريا، وفق بيانات أوردتها «هيومن رايتس ووتش» نقلاً عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ما يعني أن ملف العودة سيبقى مرتبطاً بصورة مباشرة بقدرة مناطق الاستقبال على توفير السكن والخدمات والحقوق القانونية اللازمة.


الغدفة نموذج لتحديات العودة
وفي قرية الغدفة بريف إدلب، أجرت «هيومن رايتس ووتش» في أيار/مايو 2026 مقابلات مع سكان عادوا من مخيمات النزوح، وقالوا إنهم يعيشون في ظل نقص المياه الجارية والكهرباء والخدمات الصحية والمدارس.
وبحسب المنظمة، يضطر سكان المنطقة إلى شراء المياه بصورة خاصة، كما يجمع الأهالي الأموال لتغطية رواتب المدرسين، في ظل عدم اكتمال الخدمات الأساسية. وتأتي هذه الظروف في مناطق تشهد عودة سكانية، ما يجعل توفير الخدمات جزءاً أساسياً من تحديات إعادة الاستقرار وليس مجرد مرحلة لاحقة من عملية الإعمار.


الملكية والتعويض في صلب المخاوف
ويبرز ملف حقوق السكن والأراضي والملكية باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في عملية إعادة الإعمار، خصوصاً في المناطق التي تعرضت لدمار واسع أو شهدت تغيرات سكانية خلال سنوات الحرب.
ونقلت المنظمة عن «مبادرة الإصلاح العربي» أن بعض مشاريع إعادة الإعمار اتُخذت من دون مشاركة كافية للمجتمعات المحلية أو وجود معايير واضحة للتعويض وآليات سهلة لتقديم الشكاوى، مشيرة إلى أن ذلك ساهم في ظهور احتجاجات ونزاعات في حمص وحلب ودمشق.
وفي حي جوبر بدمشق، الذي دُمر نحو 95% من مبانيه وفق «تقرير سوريا»، أفادت المنظمة بأن مشروعاً مقترحاً يتضمن منح أصحاب المنازل وحدات جديدة بمساحة تعادل 50% من مساحة مساكنهم السابقة، فيما يحصل سكان المناطق غير المنظمة على ما يعادل 30% من مساحة أراضيهم، مع عدم إدراج المستأجرين ضمن آلية التعويض المذكورة.
وتتصل هذه القضية أيضاً بإرث تشريعات سابقة، إذ أشارت المنظمة إلى استمرار الجدل حول المرسوم 66 لعام 2012 والقانون رقم 10 لعام 2018، وما ترتب عليهما من قضايا تتعلق بإثبات الملكية وإعادة تنظيم المناطق المتضررة.


مشاركة السكان قبل تثبيت المشاريع
وترى «هيومن رايتس ووتش» أن المرحلة الحالية، التي لا تزال فيها الأطر القانونية لإعادة الإعمار قيد الاستكمال، توفر فرصة لوضع آليات تضمن مشاركة السكان المتضررين قبل اعتماد المشاريع.
وتطالب المنظمة بأن تشمل العملية التفاوض مع أصحاب الحقوق بشأن شروط التعويض بدلاً من فرضها، وإنشاء آلية مستقلة تتيح للسكان الاعتراض على القرارات المتعلقة بمنازلهم وأراضيهم، إلى جانب وضع معايير واضحة للتعويض وحماية حقوق الملكية.
كما تدعو إلى إعطاء الأولوية لإعادة الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه والكهرباء والمدارس والرعاية الصحية، في المناطق التي تشهد عودة السكان، بحيث تترافق عملية إعادة بناء المنشآت مع استعادة مقومات الحياة اليومية.


وتطالب المنظمة الجهات المانحة والمستثمرين بربط تمويل مشاريع الإعمار باحترام حقوق السكان وحماية الملكية، وإجراء تقييمات لتأثير المشاريع على حقوق المجتمعات المحلية قبل تنفيذها.
وبينما تبدو الحاجة إلى التمويل والاستثمار في سوريا ضخمة، فإن حجم الأموال وحده لا يحسم مستقبل عملية الإعمار؛ إذ يرتبط نجاحها أيضاً بكيفية تحديد أصحاب الحقوق، وآليات التعويض، ومشاركة السكان، وقدرة المؤسسات على توفير الخدمات الأساسية وحل النزاعات المتعلقة بالملكية. وهذه الملفات ستكون جزءاً أساسياً من اختبار مرحلة إعادة البناء مع استمرار عودة السوريين إلى مناطقهم. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 7

اقرأ أيضاً