رسائل بزشكيان من نيويورك

2026.09.27 - 18:00
Facebook Share
طباعة

 حملت تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال وجوده في نيويورك، للمشاركة في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، مجموعة رسائل سياسية تمحورت حول الحرب مع الولايات المتحدة، ومستقبل المفاوضات، وأمن الملاحة في المنطقة، إلى جانب مواقف طهران من ملفات اليمن وسوريا ودول الخليج والبرنامج النووي.

وكان مضيق هرمز في صدارة تلك الرسائل، إذ ربط بزشكيان إعادة فتح الممر البحري بالتوصل إلى تفاهم عبر الحوار، في موقف يتقاطع مع المقترح الإيراني الذي نقلته طهران إلى واشنطن عبر وسطاء، والقاضي بإعادة فتح المضيق خلال فترة زمنية محددة إذا اتخذت الولايات المتحدة خطوات لتخفيف الضغط العسكري ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية.

وقال بزشكيان إن المضيق يمكن أن يكون مفتوحاً أمام التجارة، لكنه لن يكون مفتوحاً أمام ما تعتبره طهران إدخال أسلحة وذخائر ومعدات يمكن أن تسهم في استمرار التصعيد.

وفي حديثه عن أمن المنطقة، طرح الرئيس الإيراني تصوراً يقوم على تولي دول الشرق الأوسط مسؤولية أمنها بصورة جماعية، من دون وجود قوة خارجية تؤدي دور "شرطي المنطقة"، داعياً إيران والدول الخليجية والعربية إلى التعاون في هذا الإطار.

وربط بزشكيان استمرار إغلاق المضيق بما وصفه بإغلاق الطرق أمام إيران، قائلاً إن بلاده ترى أن قطع الطريق أمامها يبرر، من وجهة نظرها، اتخاذ إجراء مماثل تجاه الطرف الآخر.

 

واشنطن.. أزمة ثقة قبل أي لقاء

وفي ملف العلاقات مع الولايات المتحدة، أبدى بزشكيان تشككاً واضحاً في إمكانية عقد لقاء مباشر مع الرئيس دونالد ترمب في الظروف الحالية، مركزاً على ما وصفه بفقدان الثقة نتيجة تعاقب العقوبات والتهديدات والهجمات بعد جولات تفاوض سابقة.

وقال إن المشكلة، من وجهة نظر طهران، لا تتعلق بمجرد الجلوس إلى طاولة واحدة، بل بمدى الالتزام بما يتم الاتفاق عليه وكتابته، معتبراً أن اللقاء لن يكون كافياً إذا لم تتوافر ضمانات لتنفيذ أي تفاهم جديد.

وفي مقابلاته، أكد أن إيران لا ترفض مبدأ التفاوض، لكنها تريد أن يكون الحوار قائماً على التزامات واضحة. كما أشار إلى وجود قنوات وساطة تنقل الرسائل بين طهران وواشنطن عبر قطر وباكستان، موضحاً أن بلاده تنتظر معرفة ما إذا كانت الإدارة الأميركية مستعدة للتعامل مع الإطار الذي طُرح عليها.

وكانت طهران قد نقلت، قبل اجتماعات الجمعية العامة، مقترحاً يقضي بفتح مضيق هرمز بعد سبعة أيام من تلبية شروط محددة، على أن تبدأ بعد ذلك مفاوضات بشأن إنهاء الحرب والملف النووي.

 

اقرأ أيضا:
طهران تعلن ضبط غواصة أميركية ذاتية القيادة بهرمز
طهران ترفع سقف المواجهة.. تهديد باستهداف السفن الأميركية خارج هرمز

 

اليمن.. نفي الدور العسكري والدعوة للحوار

وفي الملف اليمني، نفى بزشكيان أن تكون إيران طرفاً مباشراً في العمليات الجارية، وقال إن موقف بلاده يقوم على التضامن مع من تعتبرهم متضررين من الحرب، وليس على تنفيذ عمل عسكري داخل اليمن.

وأكد أن طهران لا تريد اندلاع حرب بين اليمن والسعودية، داعياً الطرفين إلى الجلوس إلى طاولة الحوار ومعالجة الخلافات عبر التفاوض.

كما أبدى استعداد إيران للمساعدة في إيجاد حل للأزمة بين الرياض وصنعاء، مشدداً على أن بلاده، وفق روايته، تسعى إلى الحوار وليس إلى توسيع دائرة الحرب.

وفي تفسيره الأوسع للتوترات الإقليمية، قال بزشكيان إن ما يجري في المنطقة يخدم، بحسب تقديره، مساراً يضع الدول الإسلامية في مواجهة بعضها بعضاً، متحدثاً عن صراع على النفط والموارد والأسواق، ومحملاً الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية جانب كبير من هذا المسار.

 

السعودية ودول الخليج.. رسائل تهدئة مشروطة

وعلى خلاف الخطاب المتعلق بالمواجهة مع واشنطن، حملت تصريحات بزشكيان بشأن السعودية ودول الخليج رسائل أكثر تركيزاً على التعاون الإقليمي.

وتحدث الرئيس الإيراني عن المكانة الدينية للسعودية ومكة والمدينة لدى المسلمين، معتبراً أن المملكة قادرة على أداء دور في جمع الدول الإسلامية وتعزيز التعاون بينها.

وقال إنه طرح أمام رئيس الوزراء الباكستاني فكرة أن تكون السعودية مركزاً لمسار يهدف إلى تعزيز وحدة المسلمين، داعياً دول المنطقة إلى "مد الأيدي" لبعضها والعمل بصورة مشتركة في مواجهة الأزمات.

كما أكد استعداد طهران للمساعدة في تسوية الخلاف بين السعودية واليمن، في محاولة لربط الموقف الإيراني من الأزمة اليمنية بمسار إقليمي أوسع يقوم على الحوار.

وفي ما يتعلق بما يعرف بـ"اتفاق مكة" بين السعودية وتركيا وباكستان، قال بزشكيان إنه لا ينظر إليه باعتباره اتفاقاً موجهاً ضد إيران، بل يمكن أن يمثل، وفق تعبيره، خطوة نحو اجتماع الدول الإسلامية، مؤكداً استعداد بلاده للمشاركة في أي مسار يؤدي إلى مزيد من التعاون، مع إقراره بعدم معرفة تفاصيل القرارات التي اتخذتها الأطراف المشاركة.

 

القواعد الأميركية في المنطقة

وفي رسالة موجهة إلى دول الجوار، تناول بزشكيان مسألة القواعد العسكرية الأميركية الموجودة في عدد من دول المنطقة.

وقال إن الولايات المتحدة لا تنفذ عملياتها العسكرية ضد إيران انطلاقاً من أراضيها، وإنما تستخدم قواعد ومنشآت ومسارات موجودة في دول أخرى، معتبراً أن الدول التي تسمح باستخدام أراضيها في هذه العمليات تتحمل، بحسب رؤيته، جزءاً من المسؤولية عن تداعياتها.

وأضاف أن واشنطن تستخدم الأراضي والقواعد الموجودة في المنطقة لتنفيذ هجماتها، بدلاً من الانطلاق مباشرة من الأراضي الأميركية.

ويأتي هذا الطرح في وقت تحاول فيه دول الخليج الحفاظ على قنوات الاتصال مع طهران وواشنطن في آن واحد، وسط استمرار التوترات العسكرية وتأثيرها على أمن الملاحة والطاقة في المنطقة.

 

البرنامج النووي.. عرض لتخفيف التخصيب والتفتيش

أما الملف النووي، فقدم بزشكيان خلال وجوده في نيويورك إشارات إلى استعداد طهران لتقديم تنازلات محددة في إطار اتفاق تفاوضي.

وقال إن إيران مستعدة للسماح بإجراء عمليات تفتيش دولية لمنشآتها النووية، إذا جرى التوصل إلى تفاهمات بشأن آلية التفتيش ضمن المفاوضات.

وفي مقابلة مع قناة أميركية، أبدى كذلك استعداد بلاده لتخفيف مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، والعودة إلى ترتيبات تسمح بالتحقق الدولي من البرنامج النووي.

وفي الوقت نفسه، كرر بزشكيان رفض بلاده تطوير سلاح نووي، مستنداً إلى فتوى دينية سابقة تحظر هذا النوع من الأسلحة، وقال إن إيران لا ترى أن تطوير سلاح نووي جزء من سياستها.

وتكشف هذه التصريحات عن محاولة إيرانية للجمع بين التمسك بحقوقها في البرنامج النووي وبين طرح إجراءات يمكن أن تدخل في إطار تفاوضي مع واشنطن، خصوصاً في ظل استمرار الخلاف حول مستوى التخصيب وآليات الرقابة الدولية.

 

الحرب.. رواية إيرانية عن بدايتها

وفي حديثه عن الحرب، شدد بزشكيان على أن إيران لم تكن، بحسب روايته، الطرف الذي بدأ المواجهة، وقال إن بلاده لم تهاجم دولاً أخرى منذ عقود طويلة.

واتهم إسرائيل بدفع الولايات المتحدة إلى الانخراط بصورة مباشرة في الحرب، قائلاً إن التقديرات التي سبقت الهجمات كانت تقوم، بحسب وصفه، على إمكانية إحداث انهيار سريع داخل إيران من خلال استهداف القيادة والمنشآت العسكرية والاستفادة من الضغوط الاقتصادية.

وأضاف أن هذه الحسابات لم تتحقق وفق تقييمه، وأن الرد الإيراني جاء بصورة مختلفة عما كان متوقعاً.

وفي المقابل، كان الخطاب الأميركي والإسرائيلي بشأن الحرب يركز على أهداف تتعلق بالبرنامج النووي والقدرات العسكرية الإيرانية، بينما تؤكد طهران أن المواجهة جاءت نتيجة هجمات استهدفت أراضيها وقيادتها.

 

روسيا والصين.. دعم سياسي دون إعلان عسكري

وفي ما يتعلق بعلاقات إيران مع روسيا والصين، قال بزشكيان إن البلدين قدما لطهران دعماً سياسياً مهماً خلال الحرب، معتبراً أن مواقفهما ساعدت في منع صدور قرارات إضافية ضد إيران.

وأشار إلى وجود علاقات اقتصادية وتفاعلات جيدة مع موسكو وبكين، لكنه لم يعلن خلال حديثه عن دعم عسكري مباشر من البلدين.

وعندما سُئل عن مزاعم التعاون العسكري مع الصين، ولا سيما ما يتعلق بالحصول على صور أقمار صناعية، قال إنه لا يعلم ما إذا كانت مثل هذه الصور قد التُقطت أو أين توجد، مضيفاً أن آليات عمل القوات الأمنية والعسكرية تقع ضمن نطاق مسؤولياتها.

 

سوريا.. علاقة لم تستقر بعد

وفي الملف السوري، قال بزشكيان إن إيران لم تتمكن حتى الآن من إقامة علاقة مع الحكومة السورية الجديدة، رابطاً ذلك بما وصفه بـ"الانطباع" الذي تشكل لدى طهران تجاه السلطات الجديدة في دمشق.

وأعرب عن أمله في أن تتصرف دمشق، بحسب تعبيره، على أساس الإسلام والدين والعدل والإنصاف، معتبراً أن الالتزام بما وصفه بمبادئ الدين وسنة النبي يمكن أن يزيل أسباب الخلاف.

وتعكس هذه التصريحات استمرار وجود تحفظات إيرانية تجاه شكل العلاقة مع دمشق، في وقت تمر فيه سوريا بمرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة وترتيب علاقاتها الإقليمية والدولية.

 

صحة مجتبى خامنئي

وفي واحد من أكثر الملفات حساسية خلال مقابلاته في نيويورك، تحدث بزشكيان عن صحة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، نافياً وجود مشكلات صحية مستمرة لديه.

وقال بصفته طبيباً إن حالته الصحية جيدة، وإن الإصابات التي تعرض لها في الوجه والساقين تعافت، مؤكداً أنه التقى به مرتين خلال الفترة الأخيرة.

وأشار إلى أن أحد اللقاءين استمر أكثر من سبع ساعات، مستشهداً بذلك على قدرته على ممارسة مهامه. وتتناول تصريحات بزشكيان هنا معلومات قدمها بنفسه عن الحالة الصحية للمرشد، ولا تشكل بحد ذاتها تقييماً طبياً مستقلاً.

 

الرسالة الأوسع من نيويورك

وبين هرمز والملف النووي واليمن ودول الخليج وسوريا، بدا خطاب بزشكيان في نيويورك مركزاً على مسارين متوازيين: التشدد في رفض ما تعتبره طهران ضغوطاً أو تهديدات أميركية، وترك باب التفاوض مفتوحاً إذا توافرت، وفق الشروط الإيرانية، ضمانات لتنفيذ أي اتفاق.

وتضع طهران إعادة فتح مضيق هرمز في صلب هذا المسار التفاوضي، بينما تعرض في الملف النووي استعداداً للتفتيش وتخفيف مخزون اليورانيوم المخصب، وتدفع في الملفات الإقليمية باتجاه ترتيبات أمنية تشارك فيها دول المنطقة بدلاً من الاعتماد على الوجود العسكري الأميركي.

وفي المقابل، لا تزال نقاط الخلاف الأساسية مع واشنطن مرتبطة بالحرب والعقوبات والبرنامج النووي ومستقبل أمن الخليج والملاحة، ما يجعل رسائل بزشكيان من نيويورك جزءاً من محاولة أوسع لتحديد شروط التفاوض، أكثر من كونها إعلاناً عن اتفاق نهائي بين الطرفين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 5

اقرأ أيضاً