اختتم قادة ومسؤولو الدول أسبوعاً مكثفاً من الاجتماعات والخطابات والمباحثات في مقر الأمم المتحدة، وسط ملفات دولية متعددة لم تشهد تسويات حاسمة، لكنها سجلت بعض التحركات المحدودة، ولا سيما على صعيد الاتصالات المرتبطة بالحرب في إيران وأوكرانيا.
وفي موازاة الملفات العسكرية والسياسية، فرض الذكاء الاصطناعي نفسه بقوة على جدول أعمال المنظمة الدولية، بعدما تصاعدت التحذيرات من المخاطر المرتبطة بالتقنيات المتقدمة، فيما شهدت الاجتماعات مواقف ولقاءات لافتة، من بينها اتصالات أمريكية إيرانية، ومباحثات أمريكية روسية، ومشاركة فنزويلية غير متوقعة، إلى جانب غياب شخصيات بارزة عن اجتماعات الجمعية العامة.
اتصالات أمريكية إيرانية لاستئناف المسار الدبلوماسي
أتاحت اجتماعات الأمم المتحدة فرصة لإجراء اتصالات مباشرة وغير مباشرة بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، في خطوة جاءت بعد انهيار وقف إطلاق النار في تموز الماضي، إذ جرى التواصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر عبر وسطاء.
وبحسب مسؤول إيراني كبير، فإن طهران ترى ضرورة استمرار هذه الاتصالات، رغم التوتر الواضح بين الجانبين خلال اجتماعات الجمعية العامة، حيث تبادل المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون تصريحات حادة بشأن طبيعة الصراع ومسؤولية كل طرف عنه.
وقال المسؤول إن إيران تدرس الرد الأمريكي على مجموعة من المقترحات التي طرحتها طهران، وتتضمن رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز.
لكن الاتصالات لم تصل إلى مرحلة تشير إلى قرب إبرام اتفاق، في ظل استمرار الخلافات الأساسية بين الطرفين. وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن التوصل إلى أي اتفاق يحتاج إلى مفاوضات شاقة وجهد يمتد لفترة من الزمن، بما يعكس استمرار الفجوة بين المواقف المطروحة.
أوكرانيا وروسيا تبحثان هدنة محدودة
وفي الملف الأوكراني، أجرى روبيو محادثات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أعقبها حديث أمريكي عن اهتمام أوكراني وروسي بإمكانية التوصل إلى وقف محدود لإطلاق النار يشمل أهدافاً مرتبطة بالطاقة والحبوب.
وتأتي هذه التحركات في وقت تحاول فيه أوكرانيا والدول الداعمة لها الوصول إلى ترتيبات محدودة تتعلق بمنشآت الطاقة وحركة الشحن عبر البحر الأسود قبل دخول فصل الشتاء، وسط مخاوف من عودة الضربات الروسية إلى منشآت الكهرباء والتدفئة، وما يمكن أن يترتب عليها من ضغوط إضافية خلال الأشهر المقبلة.
إلا أن الموقف الروسي المعلن لم يعكس استعداداً واضحاً للانخراط في هذه الترتيبات. وبعد ساعات من تصريحات روبيو، تحدث لافروف أمام اجتماع لمجلس الأمن الدولي بشأن أوكرانيا، منتقداً ما اعتبره محاولة أوروبية للاستفادة من أي هدنة مؤقتة من أجل مواصلة دعم الحكومة الأوكرانية بالأسلحة.
وبذلك بقيت الاتصالات محصورة في احتمالات التوصل إلى ترتيبات جزئية، من دون ظهور مؤشرات على اتفاق أوسع ينهي الحرب أو يعالج أسبابها الرئيسية.
الذكاء الاصطناعي يفرض نفسه على جدول الأعمال
وشهدت اجتماعات الأمم المتحدة تحولاً لافتاً في الاهتمام الدولي، مع تراجع التركيز النسبي على ملف التغير المناخي، الذي كان حاضراً بقوة خلال السنوات الماضية، لمصلحة النقاش المتصاعد حول الذكاء الاصطناعي ومستقبله والمخاطر التي قد تنتج عن توسعه السريع.
وجاء ذلك بالتزامن مع تزايد المخاوف المتعلقة بسلامة هذه التقنيات، بعد تسجيل حوادث وخروقات أثارت تساؤلات حول قدرة الجهات المطورة والحكومات على ضبط الأنظمة المتقدمة، فضلاً عن تحذيرات أطلقها باحثون في قطاع التكنولوجيا من تداعيات محتملة بالغة الخطورة على مستقبل البشرية.
وفي هذا السياق، استضاف مجلس الأمن اجتماعاً شارك فيه حضورياً الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي سام ألتمان، والرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك داريو أمودي، حيث دعوا الحكومات إلى التعاون في وضع آليات للتعامل مع المخاطر الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.
وتزامنت الجلسة مع إعلان رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي أن وكيلاً للذكاء الاصطناعي طورته شركة أوبن إيه آي تمكن خلال حزيران الماضي من اختراق موقع حكومي أسترالي، والوصول إلى ملفات عامة وأخرى غير متاحة للعامة، في حادثة أعادت تسليط الضوء على مخاطر استخدام هذه الأنظمة في المجالات الحساسة.
وفي المقابل، تبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب موقفاً يحذر من إقامة نظام عالمي للسيطرة على هذه التكنولوجيا، بعدما سبق أن وصف بعض التحذيرات بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي بأنها مبالغ فيها. وقال أمام الأمم المتحدة إنه يرفض أي محاولة لإنشاء مخطط عالمي للتحكم بالتكنولوجيا، مع تأكيده أن الولايات المتحدة ستتعامل مع الذكاء الاصطناعي بحذر.
حضور فنزويلي يلفت الأنظار
ومن بين أبرز التطورات غير المتوقعة خلال اجتماعات الأمم المتحدة وصول الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز إلى نيويورك، حيث شكلت الزيارة مناسبة لإجراء أول لقاء مباشر لها مع ترمب منذ توليها السلطة، عقب اعتقال القوات الأمريكية للرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو خلال عملية ليلية.
وتركزت تحركات الوفد الفنزويلي في نيويورك على الملفات الاقتصادية والمالية، حيث أجرى ممثلو كاراكاس لقاءات مع مسؤولين أمريكيين ومؤسسات إقراض متعددة الأطراف وشركات، في إطار مساعٍ لإعادة هيكلة ديون سيادية تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.
واستغل ترمب خطابه أمام الهيئة المعنية بالسلام العالمي للحديث عن التطورات في فنزويلا، وقال إن "الغنائم من نصيب المنتصر"، كما وصف اتفاقاً نفطياً أبرمته الولايات المتحدة مع كاراكاس خلال الشهر الماضي بأنه قد يكون من أكبر الصفقات التي أبرمت على الإطلاق.
وفي الوقت نفسه، كانت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو تحاول العودة إلى بلادها، إلا أن محاولاتها الثلاث خلال الفترة نفسها لم تنجح.
غياب البرهان يثير تساؤلات حول السودان
وعلى الجانب الآخر، سجلت اجتماعات الأمم المتحدة غياب رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بعد أن حجبت الولايات المتحدة تأشيرته.
وأفادت مصادر سودانية وأخرى مطلعة بأن الخطوة ترتبط بمقترح لوقف إطلاق النار تدعمه واشنطن، في حين تواجهه الخرطوم بالرفض، ما أثار مخاوف من انعكاس الخلاف على العلاقة بين الولايات المتحدة والجيش السوداني في وقت تتواصل فيه الحرب داخل البلاد.
ويأتي ذلك في ظل استمرار الأزمة الإنسانية الواسعة التي تعصف بالسودان، والتي تصفها الأمم المتحدة بأنها من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، ما يجعل أي توتر إضافي بين الأطراف الدولية والمحلية المعنية بالملف عاملاً مؤثراً في فرص التوصل إلى ترتيبات لوقف القتال.
كما غاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن الحضور الشخصي، وشارك في اجتماعات الأمم المتحدة عبر تقنية الاتصال المرئي، حيث انتقد القيود الأمريكية المفروضة على وصول البعثة الفلسطينية إلى مقر المنظمة الدولية.
المنظمة الدولية أمام مرحلة صعبة
وتواجه الأمم المتحدة في الوقت نفسه تحديات تتجاوز الملفات العسكرية والسياسية المطروحة على جدول أعمالها، في ظل الضغوط المالية وتراجع الميزانيات وتقلص النفوذ السياسي وتصاعد الخلافات بين القوى الكبرى.
وقال ريتشارد جوان، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، إن المنظمة الدولية، رغم أنها قد لا تكون في مرحلة تدهور متسارع، لا تزال تواجه أزمة ممتدة، في إشارة إلى تراكم المشكلات المالية والسياسية التي تعرقل قدرتها على أداء أدوارها.
وتستمر الحربان في أوكرانيا وإيران، في وقت يواصل فيه ترمب انتقاد المنظمة التي تضم 193 دولة، ويصفها بأنها متضخمة وتتجه نحو تبني سياسات عالمية، بينما خفضت الولايات المتحدة تمويلها وانسحبت من عشرات الوكالات التابعة للأمم المتحدة.
وفي المقابل، حظي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتصفيق حار من الحاضرين بعد خطابه الأخير أمام الجمعية العامة، بالتزامن مع بدء تحركات سياسية ودبلوماسية لاختيار خليفته.
سباق خلافة غوتيريش يدخل مرحلة حاسمة
وتنتهي الولاية الثانية لغوتيريش، ومدتها خمس سنوات، في 31 كانون الأول المقبل، ما يضع الدول الأعضاء أمام فترة زمنية محدودة للتوافق على الأمين العام المقبل.
وتجري عملية اختيار الأمين العام عبر مراحل متعددة ومعقدة، من بينها ما يعرف بالاستطلاعات غير الرسمية بين أعضاء مجلس الأمن، ولم يظهر حتى الآن مرشح يحظى بتقدم واضح ونهائي على بقية الأسماء المطروحة.
وتبرز بين الأسماء المتداولة ريبيكا غرينسبان، نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، وكارولين رودريغيز بيركيت، مندوبة غيانا الدائمة لدى الأمم المتحدة، في ظل استمرار المشاورات المتعلقة بالمرشح الذي سيخلف غوتيريش.
وسيواجه الأمين العام المقبل منظمة مثقلة بملفات سياسية وأمنية وإنسانية متعددة، إلى جانب تحديات مالية وتراجع في المعنويات وتضاؤل مساحة التأثير السياسي في عدد من الأزمات الدولية، كما سيكون أمامه استحقاق إدارة العلاقة مع القوى الكبرى واستقبال قادة العالم في نيويورك خلال اجتماعات العام المقبل.