منذ مطلع الألفية، ارتبط لبنان بفرنسا بعلاقة سياسية واقتصادية خاصة جعلت باريس إحدى أبرز المنصات الدولية لحشد الدعم للبنان. تعزز هذا الدور خلال عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك، الذي أقام علاقة وثيقة مع رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، قبل أن تتوالى المؤتمرات الدولية التي حملت أسماء «باريس I» و«باريس II» و«باريس III»، وصولاً إلى مؤتمر «سيدر» عام 2018.
أقرا أيضاً:من الكهرباء إلى الغذاء.. أعباء متزايدة على اللبنانيين
اختلفت طبيعة الأزمة اللبنانية في كل محطة، لكن القاسم المشترك ظل يتمثل في الحاجة إلى تمويل خارجي بالتوازي مع إصلاحات مالية واقتصادية لم تستكمل. انتقلت الأولويات من دعم المالية العامة وخفض كلفة الدين، إلى تمويل إعادة الإعمار، ثم إلى ربط جزء أكبر من التمويل بتنفيذ إصلاحات هيكلية.
خلال 25 عاماً، تراكمت تعهدات بمليارات الدولارات، إلا أن هذه الأرقام لا تعني أموالاً نقدية دخلت خزينة الدولة اللبنانية دفعة واحدة. اختلفت طبيعة التمويلات بين دعم للموازنة، وقروض ميسّرة، ومنح، وتمويل لمشاريع محددة، ومساهمات عبر مؤسسات دولية، كما ارتبط جزء منها بشروط وإصلاحات.
لهذا، فإن تقييم تجربة مؤتمرات باريس لا يبدأ بسؤال «أين ذهبت المليارات؟»، بل بتحديد طبيعة كل تعهّد، وما الذي صُرف منه، وما الذي بقي مرتبطاً بشروط أو مشاريع، وما الذي تحقق فعلياً على مستوى الاقتصاد والإصلاح.
أقرا أيضاً:خسائر الزيتون تتجاوز 307 ملايين دولار في الجنوب اللبناني
«باريس I».. دعم المالية العامة
عقد مؤتمر «باريس I» في شباط 2001، في وقت كان لبنان يواجه ديناً عاماً متراكماً وعجزاً مرتفعاً ونمواً اقتصادياً محدوداً.
ركزت المقاربة آنذاك على تخفيف الضغوط المالية وتهيئة الظروف لضبط المالية العامة، من خلال تحسين الإيرادات، والسيطرة على الإنفاق، وتحديث الإدارة الضريبية، وتشجيع الاستثمار.
جاء إقرار ضريبة القيمة المضافة عام 2002 ضمن مسار أوسع لتعزيز الإيرادات العامة، إلا أن التجربة كشفت مبكراً صعوبة تحويل الدعم الخارجي والخطط الإصلاحية إلى تغيير مستدام داخل الدولة.
بلغت تعهدات «باريس I» نحو 500 مليون يورو، في إطار مساعي دعم الاستقرار المالي والاقتصادي.
«باريس II».. معالجة كلفة الدين
بعد أقل من عامين، عاد لبنان إلى باريس في تشرين الثاني 2002، بعدما أصبح الدين العام محوراً أساسياً في الأزمة المالية.
استهدف «باريس II» خفض كلفة الاقتراض وإطالة آجال الدين واستعادة الثقة بالمالية العامة. وبلغت التعهدات نحو 4.3 مليارات دولار، بينها 3.1 مليارات دولار لدعم الموازنة، فيما خُصص الجزء المتبقي لقروض مرتبطة بمشاريع، وفق صندوق النقد الدولي.
ساهمت الحزمة في تخفيف أعباء خدمة الدين وإعادة ترتيبها، وانخفضت مدفوعات الفوائد من نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2002 إلى نحو 10% عام 2005، بحسب صندوق النقد الدولي.
لكن التحسن في كلفة الدين لم يرافقه تقدم مماثل في معالجة العوامل الهيكلية التي كانت تعيد إنتاج العجز والدين. تضمنت المرحلة خططاً للخصخصة وإعادة هيكلة بعض القطاعات، إلا أن التوافق السياسي تراجع وتعطلت أجزاء أساسية من البرنامج.
منحت هذه المحطة لبنان مساحة مالية إضافية، لكنها لم تحسم الاختلالات التي كانت تقف وراء الأزمة.
«باريس III».. الحرب تضيف كلفة جديدة
اندلاع حرب تموز 2006 نقل الأولوية إلى إعادة الإعمار والتعافي، بعدما أضيفت كلفة الحرب إلى أعباء مالية كانت متراكمة أصلاً.
انعقد «باريس III» في كانون الثاني 2007، وتعهد المانحون نحو 7.6 مليارات دولار ضمن برنامج جمع بين دعم المالية العامة والإصلاح الهيكلي وتمويل إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
غير أن الرقم الإجمالي لم يمثل مبلغاً نقدياً واحداً دخل الخزينة. توزعت التعهدات بين منح وقروض ودعم للموازنة وتمويل لمشاريع ومساهمات عبر مؤسسات متعددة الأطراف.
بحلول نهاية أيار 2010، كان نحو 52% من إجمالي التعهدات قد صُرف، بينما بلغت نسبة التعهدات التي تحولت إلى اتفاقات موقعة نحو 76%، وفق البنك الدولي.
أشار البنك الدولي كذلك إلى تعرض جهود الإصلاح لانتكاسة نتيجة الانسداد السياسي، في وقت تقدمت فيه إعادة الإعمار والتعافي بوتيرة أسرع.
أظهر ذلك فجوة بدأت تتكرر بوضوح: كان تأمين التمويل وإعادة بناء ما دمرته الحرب أكثر قابلية للتنفيذ من الإصلاحات التي تتطلب توافقاً سياسياً ومؤسسياً مستمراً.
من احتواء الأزمة إلى اشتراط الإصلاح
بين «باريس I» و«باريس III»، تغيرت وظيفة المؤتمرات تدريجياً. ففي البداية كان التمويل يستهدف تخفيف الضغط عن الدولة، ثم انتقل إلى معالجة أعباء الدين، وبعد حرب 2006 توسع ليشمل إعادة الإعمار.
مع مرور الوقت، أصبح التركيز الدولي أكبر على قدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات التي تضمن استخدام التمويل بطريقة مستدامة.
لم يعد السؤال يقتصر على حجم الاحتياجات المالية، بل امتد إلى قدرة الدولة على تغيير السياسات التي تنتج العجز والدين وضعف الاستثمار.
بلغ هذا التحول ذروته مع مؤتمر «سيدر» عام 2018.
«سيدر».. التمويل مقابل الإصلاح
دخل لبنان مؤتمر «سيدر» وهو يواجه اختلالات متراكمة تشمل ارتفاع الدين، وضعف النمو، وأزمة قطاع الكهرباء، وتراجع الاستثمار، إلى جانب الحاجة إلى تحسين الإدارة والحوكمة.
تعهد المؤتمر بأكثر من 11 مليار دولار من القروض الميسرة والمنح لدعم خطة الاستثمار الرأسمالي اللبنانية.
لكن التمويل لم يكن مبلغاً جاهزاً للصرف في خزينة الدولة، بل ارتبط بمشاريع وبإصلاحات وبإطار لإدارة الاستثمار العام. وفي عام 2019، أكد صندوق النقد الدولي أن تنفيذ الإصلاحات سيكون أساسياً لتشجيع المانحين على صرف التمويل الميسر المتعهد به.
أصبحت المعادلة أكثر وضوحاً: الحصول على التمويل لم يعد منفصلاً عن تنفيذ الإصلاحات.
شملت الأولويات إصلاح قطاع الكهرباء، وتحسين المالية العامة، وتعزيز الحوكمة، وتطوير إدارة الاستثمار العام، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للنمو والاستثمار.
لكن الإصلاحات لم تتقدم بالسرعة المطلوبة. ومع تفاقم الاختلالات خلال 2019، دخل لبنان لاحقاً في أزمة مالية واقتصادية عميقة.
«11 مليار دولار».. تعهدات لا أموال مفقودة
أدى تداول أرقام مؤتمرات باريس، ولا سيما «سيدر»، إلى انتشار تصور بأن مليارات الدولارات دخلت الدولة اللبنانية ثم اختفت.
لكن طبيعة التمويلات لا تدعم هذا التوصيف. تعهدات المؤتمرات لم تكن كتلة نقدية واحدة، كما أن جزءاً منها كان مرتبطاً بمشاريع محددة أو قروض ميسرة أو منح أو شروط إصلاحية.
في «باريس II»، ذهب الجزء الأكبر من التمويل المخصص للدعم المالي إلى الموازنة وإدارة الدين، بينما ارتبط جزء آخر بمشاريع.
وفي «باريس III»، توزعت الموارد بين دعم المالية العامة وإعادة الإعمار والمشاريع والتمويلات الميسرة.
أما «سيدر»، فارتبط التمويل بخطة استثمارية وبإصلاحات وآليات لإدارة الاستثمار العام، ما جعل الاستفادة منه مرتبطة بدرجة أكبر بقدرة لبنان على تنفيذ الالتزامات المطلوبة.
لذلك، فإن السؤال الأكثر دقة ليس عن «اختفاء» مبلغ إجمالي، وإنما عن حجم التمويل الذي وصل فعلياً، ونسبة ما صُرف، والمشاريع التي استفادت منه، ومدى ارتباط التمويل بالإصلاحات المطلوبة.
ماذا حققت المؤتمرات؟
حققت المؤتمرات نتائج مختلفة بحسب المرحلة.
ساهم «باريس II» في تخفيف كلفة الدين وإعادة ترتيب أعبائه، بينما وفر «باريس III» موارد لإعادة الإعمار والتعافي بعد حرب تموز، وأظهر في الوقت نفسه محدودية التقدم في الإصلاح مقارنة بسرعة إعادة الإعمار.
أما «سيدر»، فقد وضع إطاراً واسعاً للاستثمار وربط التمويل الميسر بسلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية.
لكن هذه النتائج لم تتحول إلى مسار طويل الأمد يعالج جذور الاختلالات المالية والاقتصادية.
خفض كلفة الدين لا يعالج وحده استمرار العجز، وإعادة الإعمار لا تكفي لمعالجة ضعف المالية العامة، فيما لا يمكن للاستثمار أن يحقق أهدافه من دون مؤسسات قادرة على تنفيذ المشاريع وإدارة الموارد بكفاءة.
لماذا تعثرت الإصلاحات؟
تطلبت الإصلاحات المطروحة تغييرات تتجاوز الإجراءات المالية المباشرة.
إصلاح الكهرباء كان يستهدف قطاعاً شكل لسنوات عبئاً على المالية العامة. وإصلاح المالية العامة كان يتطلب معالجة الإنفاق والإيرادات والضرائب والدين. أما تحسين الحوكمة وإدارة المؤسسات والأصول العامة، فكان يستدعي تطوير آليات الرقابة والشفافية والمساءلة.
أشار البنك الدولي، في تقييم مرحلة «باريس III»، إلى أن الانسداد السياسي أثر في جهود الإصلاح وحد من تنفيذ البرنامج، بينما تقدمت إعادة الإعمار والتعافي بوتيرة أسرع.
وفي مرحلة «سيدر»، ربط صندوق النقد الدولي تنفيذ الإصلاحات بقدرة لبنان على جذب التمويل الميسر الذي تعهد به المانحون، مع التركيز على الكهرباء والمالية العامة والحوكمة وإدارة الاستثمار العام.
أصبحت الفجوة إذاً بين الاتفاق على الإصلاح وتنفيذه إحدى أبرز سمات التجربة.
25 عاماً.. أزمات تتبدل والجذور ثابتة
في 2001 كان الدين والعجز في مقدمة الأولويات.
عام 2002، انتقل التركيز إلى كلفة الدين وإعادة ترتيب أعبائه.
بعد حرب 2006، أضيفت إعادة الإعمار والتعافي إلى جدول الاحتياجات.
وفي 2018، أصبحت البنية التحتية والاستثمار والنمو والإصلاح المؤسسي في قلب المعادلة.
ثم جاءت أزمة 2019 لتكشف حجم الاختلالات المتراكمة، في وقت كان صندوق النقد الدولي قد حذر فيه من ارتفاع العجز والدين وضعف النمو، ودعا إلى إصلاحات مالية وهيكلية طال انتظارها.
تغيرت عناوين المؤتمرات، لكن ملفات أساسية ظلت حاضرة: الدين، العجز، الكهرباء، ضعف النمو، الإنفاق العام، الحوكمة، وكفاءة المؤسسات.
ما الذي بقي من تجربة باريس؟
على مدى ربع قرن، وفرت مؤتمرات باريس للبنان فرصاً متكررة للحصول على تمويل بشروط مختلفة، وخففت في مراحل معينة ضغوط الدين، وساهمت في تمويل إعادة الإعمار، ووضعت لاحقاً الاستثمار والإصلاح في إطار واحد.
لكن التجربة كشفت أيضاً أن التمويل الخارجي لا يستطيع وحده بناء مسار اقتصادي مستدام.
المجتمع الدولي قدم التمويل ووضع برامج وشروطاً إصلاحية، بينما بقي تنفيذ الجزء الأكبر من الإصلاحات مرتبطاً بالدولة اللبنانية ومؤسساتها السياسية والإدارية.
لهذا، فإن المسار الممتد من «باريس I» إلى «سيدر» لا يُقرأ باعتباره سلسلة من المؤتمرات التي ضخت الأموال ثم انتهت، بل كسلسلة محطات حاولت خلالها الجهات الدولية معالجة أزمات متغيرة، بينما ظلت قدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات عاملاً حاسماً في تحديد النتائج.
بعد 25 عاماً، تبدو المسافة الأهم ليست بين باريس وبيروت، بل بين التعهد والتنفيذ، وبين التمويل والإصلاح. فقد حصل لبنان في كل مرحلة على موارد وفرص مختلفة، لكن استمرار الاختلالات أظهر أن معالجة الأزمة لا تتوقف على توفير التمويل، وإنما على قدرة الدولة على تحويله إلى إصلاحات ومشاريع وسياسات قابلة للاستمرار.