من الكهرباء إلى الغذاء.. أعباء متزايدة على اللبنانيين

2026.09.26 - 09:43
Facebook Share
طباعة

تتسع الضغوط الاجتماعية في لبنان مع استمرار ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في وقت لم تعد فيه زيادة الأجور وحدها كافية لمواكبة النفقات اليومية التي تشمل الغذاء والنقل والكهرباء والمياه والتعليم والاستشفاء والسكن.


أقرا أيضاً:ما بعد "اليونيفيل".. خلاف أميركي أوروبي حول مستقبل جنوب لبنان

 

سجل مؤشر أسعار المستهلك في أغسطس 2026 ارتفاعًا سنويًا بنسبة 16.66%، بينما بلغت زيادة أسعار الغذاء نحو 18% خلال العام، وفق بيانات رسمية وتقديرات برنامج الأغذية العالمي. في المقابل، يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال 2026، فيما يواجه نحو 1.24 مليون شخص، أي قرابة ربع السكان، مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

أزمة تتجاوز الراتب

لم يعد الضغط على الأسر مرتبطًا بسعر المواد الغذائية وحده، إذ تتراكم النفقات الأساسية على الدخل الشهري بصورة متزامنة. ارتفاع أسعار الوقود يرفع كلفة التنقل، وتراجع التغذية الكهربائية يدفع الأسر إلى الاعتماد على بدائل خاصة، بينما يؤدي نقص المياه العامة إلى زيادة اللجوء إلى الصهاريج.

بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان في 25 سبتمبر نحو 2.845 مليون ليرة، فيما وصل سعر 98 أوكتان إلى 2.863 مليون ليرة. وفي القطاع العام، حُدد بدل النقل اليومي بنحو 450 ألف ليرة، ما يجعل كلفة التنقل بندًا أساسيًا في ميزانية الموظف.


أقرا أيضاً:78,300 دولار محور قضية مالية في كهرباء جبيل

 


تنعكس هذه التكاليف على أسعار السلع والخدمات، لأن ارتفاع النقل والطاقة والشحن يزيد تكلفة الإنتاج والتوزيع، ثم ينتقل جزء من الزيادة إلى المستهلك النهائي.

زيادات الأجور أمام اتساع النفقات

تضمن مشروع موازنة 2027 ستة رواتب إضافية للعاملين في القطاع العام، على أن تُصرف ثلاثة منها في بداية العام وثلاثة أخرى في نهاية أغسطس، ضمن الإجراءات الهادفة إلى تحسين مداخيل الموظفين.

 

غير أن حجم الإنفاق على الرواتب والأجور يضع السياسة المالية أمام تحديات كبيرة، إذ تشير بيانات مشروع الموازنة إلى أن كلفة الرواتب والأجور تعادل نحو 8.61% من الناتج المحلي الإجمالي، وتشكل قرابة 53.54% من إجمالي نفقات موازنة 2027.

تكشف هذه الأرقام عن معادلة صعبة: رفع الأجور يساعد في تخفيف الضغط عن الموظفين، لكنه يزيد في الوقت نفسه الأعباء على المالية العامة، خصوصًا في اقتصاد لا يزال يعاني من انكماش وضعف في الإيرادات.

الكهرباء تضيف فاتورة جديدة

 

لا تنتهي كلفة المعيشة عند فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان، إذ يؤدي انخفاض التغذية الرسمية إلى اعتماد الأسر والمؤسسات على مصادر بديلة.

بلغ متوسط التغذية من مؤسسة كهرباء لبنان نحو 4 ساعات يوميًا في يوليو 2026، مع وجود فجوة في القدرة الإنتاجية تقدر بنحو 1000 ميغاواط.

هذا النقص يدفع الأسر إلى تحمل كلفة إضافية للمولدات أو مصادر الطاقة البديلة، ما يجعل الكهرباء بندًا مزدوجًا في النفقات: فاتورة رسمية من جهة، وكلفة بديلة من جهة أخرى.

 

المياه تتحول إلى عبء مالي

 

تواجه خدمات المياه المشكلة نفسها، إذ لا تغطي الإمدادات العامة في منطقة بيروت الكبرى وجبل لبنان سوى نحو 24% من الطلب خلال موسم الجفاف، وفق تقييمات البنك الدولي.

مع تراجع الإمدادات، يزداد الاعتماد على الصهاريج الخاصة التي يمكن أن تصل كلفتها إلى نحو 10 أضعاف كلفة المياه عبر الشبكة العامة.

تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن خسائر قطاع المياه والصرف الصحي والري تبلغ نحو 171 مليون دولار، بينها نحو 140 مليون دولار مرتبطة بزيادة الاعتماد على مياه الصهاريج.

 

بهذا المعنى، لا تعكس فاتورة المياه مشكلة في الخدمة فقط، بل تكشف عن انتقال جزء من كلفة ضعف البنية التحتية إلى الأسر مباشرة.

التعليم والصحة تحت الضغط

 

يمتد الضغط المالي إلى التعليم مع ارتفاع الرسوم في عدد من المؤسسات التعليمية، إلى جانب النفقات المرتبطة بالنقل والكتب والقرطاسية والأنشطة. ومع ثبات دخول كثير من الأسر أو نموها بوتيرة أقل من الأسعار، أصبحت النفقات التعليمية تستحوذ على حصة أكبر من الميزانية المنزلية.

في القطاع الصحي، توفر تعرفة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نسب تغطية مرتفعة لبعض الخدمات، إلا أن هذه النسب تُحتسب وفق التعرفات المعتمدة من الصندوق، ولا تعني بالضرورة أن المريض لن يتحمل فروقات إضافية عند احتساب الفاتورة النهائية في المستشفى أو لدى الطبيب.

تزداد حساسية الملف الصحي مع استمرار المستحقات المالية المتراكمة بين الدولة والصندوق، ما يضع تمويل التغطية الصحية أمام تحديات تتجاوز قدرة الأسر على الدفع المباشر.

 

خلفية الانهيار الاجتماعي

 

تعود جذور الأزمة إلى الانهيار المالي والنقدي الذي بدأ بصورة حادة منذ 2019، وما رافقه من فقدان الليرة اللبنانية جزءًا كبيرًا من قيمتها وتراجع الأجور الحقيقية.

أدى الانكماش الاقتصادي وتراجع الاستثمارات والقدرة الإنتاجية إلى تضييق سوق العمل، بينما ارتفعت أسعار السلع والخدمات بوتيرة تفوق قدرة شرائح واسعة من السكان على زيادة دخولها.

تفاقمت التداعيات مع ضعف الخدمات العامة، فأصبح المواطن يدفع مقابل بدائل خاصة للكهرباء والمياه والنقل والتعليم والصحة، إلى جانب الضرائب والرسوم والتكاليف الرسمية.

 

أضافت الاضطرابات الأمنية والعسكرية خلال 2026 ضغوطًا جديدة على الاقتصاد، من خلال تأثيرها في حركة التجارة والنقل والإمدادات والأسعار، فضلًا عن انعكاسها على النشاط الاقتصادي والاستثمارات.

 

فجوة بين التحرك النقابي والنتائج

 

في الجانب العمالي، شهدت الأشهر الأخيرة تحركات ومطالبات برفع الأجور وتصحيح بدلات النقل وتحسين الحماية الاجتماعية.

يتولى بشارة الأسمر رئاسة الاتحاد العمالي العام، كما يترأس منذ أغسطس 2026 مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بينما برز بسام طليس في تحركات قطاع النقل والاتصالات مع الحكومة والجهات المالية بشأن المطالب المرتبطة بالقطاع.

أعلن الاتحاد العمالي العام في 21 سبتمبر حالة طوارئ اقتصادية، وطالب بإجراءات تتعلق بالأجور وبدل النقل والقدرة الشرائية.

لكن اتساع الفجوة بين المطالب وحجم الضغوط المعيشية يطرح تساؤلات حول قدرة التحركات النقابية على تحقيق تحسينات دائمة تتناسب مع سرعة ارتفاع الأسعار.

 

المشكلة لا تتمثل في غياب النشاط النقابي، بل في محدودية أثر الإجراءات المؤقتة أمام أزمة متعددة المستويات، تحتاج إلى سياسات أجور وحماية اجتماعية مرتبطة بمؤشرات الأسعار والإنتاجية والقدرة المالية للدولة.

 

أزمة اجتماعية متعددة الطبقات

 

تكشف الصورة العامة عن أزمة لا يمكن اختزالها في الراتب الشهري. فالموظف أو العامل يواجه في الوقت نفسه ارتفاع الغذاء والوقود، وكلفة الكهرباء البديلة، وأسعار المياه، والرسوم التعليمية، والنفقات الصحية، وتكاليف السكن والنقل.

كل زيادة في أحد هذه البنود تقلل من أثر أي زيادة في الدخل، وهو ما يجعل تحسين الأجور إجراءً ضروريًا لكنه غير كافٍ لمعالجة الأزمة بمفرده.

تحتاج معالجة الوضع إلى مسار متكامل يجمع بين استقرار الأسعار، إصلاح الخدمات العامة، تحسين البنية التحتية، تعزيز الحماية الاجتماعية، معالجة متأخرات الدولة، ودعم القطاعات المنتجة القادرة على توفير فرص عمل ودخول أكثر استقرارًا.

 

في ظل استمرار الانكماش الاقتصادي وارتفاع الأسعار، تبقى قدرة الأسر على الصمود مرتبطة بالفارق بين نمو الدخل ونمو كلفة الحياة. وكلما اتسعت هذه الفجوة، انتقلت الأزمة من مشكلة دخل إلى أزمة اجتماعية أوسع تمس الغذاء والسكن والصحة والتعليم والخدمات الأساسية.

 

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 9

اقرأ أيضاً