صدمة تتسع
لم يعد رفع أسعار المحروقات في سوريا محصوراً بمحطات الوقود وأجور النقل، بل امتد سريعاً إلى الأسواق، مع تسجيل زيادات متفاوتة في أسعار المواد الغذائية والخضار والألبان والأجبان في دمشق.
وتأتي هذه الزيادات في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوري ضغوطاً تضخمية متراكمة، تتداخل فيها تكلفة الطاقة مع سعر الصرف والنقل والإنتاج والتوزيع، ما يجعل ارتفاع أسعار المحروقات عاملاً إضافياً في تقليص القدرة الشرائية للأسر.
ودخلت الأسعار الجديدة حيز التنفيذ في 13 أيلول/سبتمبر، بعدما ارتفع سعر ليتر بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة سورية، وبنزين أوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة، فيما ارتفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة.
اقرأ أيضاً: من المخيمات إلى المدن الجديدة.. سوريا تخطط لمليوني مسكن
الأسواق تدفع الثمن
انعكست الزيادة في تكاليف الطاقة على أسعار عدد من السلع، مع تسجيل ارتفاعات تراوحت في معظم المواد بين 10 و30%، فيما تجاوزت هذه النسب في بعض أصناف الخضار.
وارتفع سعر كيلو السكر من نحو 80 إلى 105 ليرات، والأرز التايلندي من 125 إلى 150 ليرة، بينما صعد سعر ليتر الزيت النباتي من 230 إلى 270 ليرة.
كما ارتفعت أسعار السمن النباتي بحسب النوع والجودة، بينما شهدت الخضار زيادات ملحوظة؛ إذ ارتفع سعر كيلو الخيار من 60 إلى 85 ليرة، والبندورة من 50 إلى 60-70 ليرة، والبطاطا من 60 إلى 70-80 ليرة.
وطالت الزيادة منتجات الألبان والأجبان أيضاً، إذ ارتفع سعر كيلو اللبن من 90-95 إلى نحو 110 ليرات، والحليب من 70 إلى 85-90 ليرة، والجبن من 350-380 إلى نحو 390-410 ليرات.
اقرأ أيضاً: شتاء يقترب.. مهجرو سري كانيه عالقون وأطفالهم بلا تعليم
الأسرة تقلّص مشترياتها
لم تعد الزيادة في الأسعار بالنسبة للأسر مجرد ارتفاع في تكلفة مادة واحدة، بل أصبحت سلسلة من الزيادات المتزامنة التي تدفعها إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
وتقول إحدى سكان دمشق، وهي موظفة وأم لطفلين، إن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والنقل دفعها إلى تقليل الكميات التي تشتريها والبحث عن بدائل أرخص.
وتشير إلى أن شراء المواد أصبح يتطلب مقارنة الأسعار بين أكثر من متجر، فيما باتت تكلفة الوجبة نفسها عاملاً يؤثر في قرار إعدادها.
ويصف عامل في أحد المصانع، وهو أب لخمسة أبناء، الوضع بأنه انتقال من شراء الاحتياجات بصورة اعتيادية إلى الشراء «على قدر الحاجة»، مع اضطرار الأسرة إلى تحديد المواد التي يمكن الاستغناء عنها مع كل موجة ارتفاع جديدة.
اقرأ أيضاً: تعليق العمل بالحسكة احتجاجاً على تأخر رواتب الموظفين
التجار تحت الضغط
لا تقتصر تداعيات الغلاء على المستهلكين، إذ يواجه أصحاب المحال ارتفاعاً في أسعار شراء البضائع وتكاليف نقلها.
ويقول صاحب متجر للمواد التموينية في دمشق إن ارتفاع فاتورة الشراء من المورد يفرض عليه تعديل سعر البيع للحفاظ على قدرته على إعادة تأمين البضاعة، لكنه في الوقت نفسه يواجه تراجعاً في الطلب.
وبحسبه، بات الزبائن يسألون عن السعر قبل اختيار المنتج، ويشترون كميات أقل أو يتجهون إلى الأصناف الأرخص، ما يعني أن ارتفاع الأسعار لا يتحول بالضرورة إلى زيادة في هامش ربح التاجر.
أما باعة الخضار، فيواجهون معادلة مختلفة، إذ ترتفع تكاليف نقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، بينما يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تراجع الكميات التي يشتريها المستهلك واحتمال تعرض جزء من الخضار للتلف.
كيف تنتقل الصدمة؟
يمر تأثير ارتفاع المحروقات على الأسعار عبر عدة حلقات تبدأ بالنقل، ثم تمتد إلى الإنتاج والتوزيع قبل أن تصل إلى المستهلك.
ويشير اقتصاديون إلى قناتين أساسيتين لهذا الانتقال؛ الأولى تتمثل في ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، باعتبار الوقود مدخلاً رئيسياً في قطاعات النقل والزراعة والصناعة والتوزيع.
أما الثانية فتتعلق بالتوقعات، إذ قد يدفع ارتفاع تكلفة المحروقات بعض التجار إلى رفع الأسعار تحسباً لزيادات إضافية في المستقبل، ما يؤدي إلى توسيع نطاق تأثير الصدمة الأولية.
سعر الصرف يضيف ضغطاً
لا تعمل أسعار المحروقات بمعزل عن بقية المتغيرات الاقتصادية، إذ يتقاطع أثرها مع سعر الصرف وتكاليف الاستيراد والإنتاج المحلي.
ويؤدي انخفاض قيمة الليرة إلى رفع تكلفة السلع المستوردة عند احتسابها بالعملة المحلية، بينما يمكن أن ترتفع أسعار بعض المنتجات حتى عند قياسها بالدولار نتيجة عوامل أخرى، بينها تكاليف النقل وسلاسل الإمداد والتشغيل.
وبذلك يصبح تحديد أثر عامل واحد على سعر كل سلعة أمراً أكثر تعقيداً، في ظل تداخل الطاقة والنقل وسعر الصرف وتكاليف الإنتاج.
النقل والزراعة والصناعة
يعد قطاع النقل الحلقة الأولى في انتقال أثر ارتفاع المحروقات، إذ ترتفع تكلفة نقل الأشخاص والبضائع بين مناطق الإنتاج والأسواق.
ويمتد الأثر إلى الزراعة، حيث يعتمد الري والحصاد ونقل المحاصيل بدرجات مختلفة على المازوت، ما يزيد تكاليف الإنتاج ويضغط على هوامش المزارعين.
كما تتأثر الصناعة والتجارة الداخلية بارتفاع تكاليف الشحن والتوزيع، قبل أن تنتقل هذه الزيادة تدريجياً إلى أسعار المنتجات النهائية.
ويحذر مختصون من أن المواطن يتحمل في النهاية الجزء الأكبر من هذه السلسلة، بعدما تتراكم الزيادات عبر مراحل متعددة قبل وصول السلعة إلى السوق.
دخل ثابت ونفقات متصاعدة
تبدو المشكلة أكثر وضوحاً لدى الأسر محدودة الدخل، التي لا تستطيع زيادة دخلها بالسرعة نفسها التي ترتفع بها تكاليف الغذاء والنقل والخدمات.
وتشير تقديرات محلية إلى أن ارتفاع أجور النقل أصبح يستنزف جزءاً كبيراً من دخل المواطنين، بينما تواجه بعض الأسر صعوبة في تحمل تكاليف نقل أبنائها إلى المدارس.
ومع استمرار الغلاء، يتغير نمط الإنفاق من اختيار الأولويات إلى تحديد الاحتياجات التي يمكن الاستغناء عنها، في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على الادخار والإنفاق على التعليم والصحة والترفيه.
مقترحات للتخفيف
تتركز المقترحات المطروحة للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار على ثلاثة محاور: دعم الفئات الأكثر حاجة، وزيادة القدرة الشرائية، ومعالجة أصل أزمة الطاقة.
وتشمل المقترحات إعادة هيكلة دعم المازوت وفق شرائح تستهدف الاستخدامات الأكثر حاجة، وتقديم زيادات تدريجية في الرواتب والأجور، إلى جانب إجراءات مؤقتة لمساعدة الأسر على تأمين المحروقات والغاز والاحتياجات المدرسية خلال فصل الشتاء.
كما تبرز مقترحات تتعلق بإعادة تشغيل المصافي المحلية وتنويع مصادر استيراد المشتقات النفطية، بهدف تقليل كلفة الطاقة والحد من انتقالها إلى أسعار السلع والخدمات.
أزمة تتجاوز الوقود
تكشف حركة الأسعار في دمشق أن ارتفاع المحروقات يمثل جزءاً من أزمة اقتصادية أوسع، وليس سبباً منفرداً لموجة الغلاء.
فصدمة الطاقة تنتقل عبر النقل والإنتاج والتوزيع، وتتقاطع مع سعر الصرف والتكاليف التشغيلية وتوقعات التجار، قبل أن تصل في النهاية إلى المستهلك الذي يواجه دخلاً محدوداً وقدرة شرائية تتراجع تدريجياً.