مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في ديسمبر/كانون الأول المقبل، تدخل المنظمة الدولية مرحلة سياسية دقيقة تتداخل فيها معركة اختيار خليفته مع نقاش أوسع حول مستقبل المؤسسة ودورها في إدارة الأزمات العالمية.
أقرا أيضاً:شرطة نيويورك تعتقل 104 متظاهرين ضد نتنياهو
ولا يدور التنافس الحالي حول أسماء المرشحين فقط، بل يمتد إلى طبيعة القيادة المطلوبة خلال السنوات المقبلة، في ظل ضغوط لخفض الإنفاق وإعادة هيكلة عمل المنظمة، إلى جانب مطالب متزايدة بإصلاح مجلس الأمن وتوسيع تمثيله.
سباق على خلافة غوتيريش
تجري عملية اختيار الأمين العام الجديد عبر مجلس الأمن، الذي يضم 15 عضواً، حيث يخضع المرشحون لسلسلة من الاقتراعات غير الرسمية قبل التوافق على اسم يوصي به المجلس إلى الجمعية العامة.
أقرا أيضاً:عودة حرب تيغراي تهدد إثيوبيا بأزمة اقتصادية وإنسانية جديدة
ويحتاج المرشح إلى الحصول على تأييد 9 أعضاء على الأقل، مع تجنب استخدام أي من الدول الخمس دائمة العضوية، الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، حق النقض ضده.
لم يفرز السباق حتى الآن مرشحاً واضحاً، رغم إجراء 3 جولات من الاقتراع السري، وفق ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، فيما يتوقع دانيال فورتي، رئيس شؤون الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، دخول أسماء جديدة أو انسحاب بعض المرشحين قبل الوصول إلى التوصية النهائية.
تتجاوز المنافسة مسألة الأسماء إلى تحديد مواصفات الأمين العام المقبل، إذ يبحث دبلوماسيون عن قيادة قادرة على إعادة المنظمة إلى موقع أكثر فاعلية في جهود تسوية النزاعات، بالتزامن مع إصلاح إداري وخفض للنفقات.
حسابات القوى الكبرى
تفرض الدول الكبرى حساباتها على مسار الاختيار، مع إمكانية استخدام حق النقض لتعطيل ترشيحات لا تحظى بقبولها.
وأبدت روسيا اعتراضاً على المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، على خلفية طريقة تعامله مع أزمة محطة زاباروجيا النووية في أوكرانيا، بينما تعارض الولايات المتحدة ترشيح سفيرة غيانا لدى الأمم المتحدة كارولين رودريغز-بيركيت بسبب وصفها الانتهاكات الإسرائيلية في غزة بأنها إبادة جماعية.
جغرافياً، يُتداول منصب الأمين العام عادة بين المناطق الخمس المعترف بها داخل الأمم المتحدة. ومع تولي شخصيات من أفريقيا وآسيا وأوروبا الغربية المنصب خلال المرات الثلاث السابقة، تبرز توقعات بأن يكون الأمين العام المقبل من أمريكا اللاتينية أو منطقة الكاريبي.
لكن الوصول إلى المنصب لا يعني امتلاك سلطة تنفيذية واسعة، فالأمين العام لا يملك جيشاً ولا يستطيع فرض قرارات المنظمة بصورة مباشرة. وتبقى أدواته الأساسية مرتبطة بالوساطة والدبلوماسية وحشد المواقف الدولية، وهي فجوة تبرز بوضوح بين حجم التوقعات المعلقة على المنصب وحدود صلاحياته الفعلية.
واشنطن تضغط باتجاه الإصلاح
يتزامن سباق الخلافة مع تحرك أميركي للتأثير في ملامح القيادة المقبلة، إذ أفاد موقع «بوليتيكو» بأن السفير جيف بارتوس، الممثل الأميركي لشؤون إدارة وإصلاح الأمم المتحدة، أجرى مقابلات مع جميع المرشحين للمنصب عدة مرات.
ويقول بارتوس إن واشنطن تريد قيادة تضع الإصلاح في مقدمة أولوياتها، مع مواصلة ما تصفه الإدارة الأميركية بإعادة المنظمة إلى «الأساسيات» وتبسيط هياكلها وتقليص حجمها.
ويمتد نفوذ هذا الملف إلى مجالات تشمل ميزانية الأمم المتحدة، والموظفين، وعمليات حفظ السلام، وهي قطاعات تدفع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتجاه إعادة هيكلتها.
وأشار السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز إلى أن الإدارة دفعت نحو أول خفض في ميزانية المنظمة منذ تأسيسها قبل 80 عاماً، قائلاً إن أكثر من مليار دولار جرى اقتطاعها، إلى جانب تقليص نحو 3 آلاف وظيفة في مقر الأمم المتحدة وخفض أكثر من 25% من عناصر قوات حفظ السلام حول العالم.
في المقابل، دافع نائب المتحدث باسم الأمم المتحدة فرحان حق عن أداء المنظمة، مؤكداً استمرار العمل مع الدول الأعضاء لضمان قدرة قوات حفظ السلام على تنفيذ المهام التي يكلفها بها مجلس الأمن بكفاءة وفاعلية.
مجلس الأمن تحت ضغط الإصلاح
يتجاوز الجدل مستقبل منصب الأمين العام إلى تركيبة مجلس الأمن نفسه، مع تصاعد الدعوات إلى توسيع عضويته بما يتجاوز الدول الخمس الدائمة التي تتمتع بحق النقض.
وتشير «وول ستريت جورنال» إلى أن اتساع نطاق الحروب والأزمات خلال السنوات الأخيرة أعاد قضية إصلاح المجلس إلى الواجهة، في ظل اعتراضات من دول مثل الهند والبرازيل وتركيا ونيجيريا على محدودية تمثيل القوى الصاعدة في هيكل صنع القرار الدولي.
تستند الانتقادات إلى أن 5 دول فقط تمتلك العضوية الدائمة وحق الفيتو داخل المجلس، رغم أن المنظمة تضم 193 دولة، ما يثير نقاشاً حول مدى تمثيل التوازنات السياسية والاقتصادية والديموغرافية الحالية.
ولا يرتبط الجدل بالتمثيل السياسي وحده، إذ يمكن أن ينعكس على قدرة الأمم المتحدة في حشد التمويل، خصوصاً من اقتصادات كبرى ترى أن وزنها الدولي لا يقابله حضور دائم في مجلس الأمن.
سبق لغوتيريش أن انتقد هيمنة الدول الخمس على آليات المجلس، معتبراً أن غياب تمثيل دائم لأفريقيا وأمريكا اللاتينية يضعف شرعيته. لكن إصلاح هذه البنية يصطدم برفض الدول الخمس التخلي عن امتيازاتها الأساسية.
نقاش أوسع حول النظام الدولي
يمتد الجدل إلى النظام الدولي الذي تعمل الأمم المتحدة ضمنه، وسط مؤشرات على توجه بعض الدول إلى بناء مسارات أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة، مع استمرار التعامل مع واشنطن باعتبارها قوة رئيسية في السياسة العالمية.
ويرصد «بوليتيكو» ما وصفه بحالة استياء وتحدٍ لدى بعض القادة، بالتزامن مع بحثهم عن بدائل تقلل اعتمادهم على القوة الأميركية، رغم استمرار حضور الرئيس دونالد ترمب بقوة في حسابات القادة المشاركين في اجتماعات الجمعية العامة.
ويبرز رئيس الوزراء الكندي مارك كارني مثالاً على هذا التوجه، إذ لم يلتق ترمب خلال اجتماعات الجمعية العامة، ودعا إلى تقليل الاعتماد على القوة الأميركية التقليدية، بالتزامن مع توجه كندا إلى جذب استثمارات جديدة من دول بينها الصين.
ووصف كارني البديل الذي تسعى إليه بلاده ودول أخرى بأنه لا يقوم على «تعددية حالمة» تكتفي بالدفاع عن الوضع القائم، ولا على «سياسة واقعية باردة» تهدمه بالكامل، بل على ما سماه «الواقعية القائمة على القيم».
معركة على شكل المنظمة المقبلة
يضع سباق خلافة غوتيريش الأمم المتحدة أمام اختبار يتجاوز انتقال السلطة من أمين عام إلى آخر. فالمسار يجمع بين تنافس القوى الكبرى على شخصية القيادة المقبلة، وضغوط أميركية لإعادة هيكلة المنظمة، ومطالب بإعادة توزيع النفوذ داخل مجلس الأمن، فضلاً عن نقاش متنامٍ حول مستقبل النظام الدولي.
وبذلك، لا يتوقف السؤال المطروح في أروقة الأمم المتحدة عند هوية الأمين العام الذي سيخلف غوتيريش، بل يمتد إلى مدى قدرة المؤسسة على التكيف مع موازين قوى دولية متغيرة، والحفاظ على دورها في إدارة النزاعات وحشد التعاون الدولي خلال المرحلة المقبلة.