موقع شديد الحساسية
بدأت السلطات السورية أعمال إعادة التأهيل الأولية في مطار المزة بدمشق، تمهيداً لإعادة تصنيفه من منشأة ذات استخدام عسكري إلى مطار مدني محدود مخصص للطيران الخاص والتنفيذي، في مشروع يهدف إلى دعم قطاع الطيران وتخفيف الضغط عن مطار دمشق الدولي.
لكن انطلاق الأعمال يفتح في الوقت نفسه ملفاً أكثر حساسية يتعلق بتاريخ الموقع خلال عهد النظام السوري السابق، في ظل معطيات ووثائق وشهادات تشير إلى ارتباطه بعمليات اعتقال وإعدام واحتجاز، إضافة إلى تحديد مواقع داخل محيطه يُشتبه في ارتباطها بدفن رفات معتقلين.
وتقول السلطات إنها اتخذت إجراءات احترازية لحماية نقاط حُددت خلال جولة ميدانية لهيئة المفقودين، إلى حين استكمال أعمال التحقق والكشف الفني.
اقرأ أيضاً: من الثانوية إلى الجامعة.. موعد مرتقب لمفاضلة القبول في سوريا
تأهيل على مراحل
تشمل المرحلة الحالية إزالة الركام وتأهيل أجزاء من البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال الدراسات والمتطلبات الفنية والتشغيلية والتنظيمية اللازمة لإعادة تصنيف المطار.
وتخطط السلطات لاستخدام المنشأة الجديدة للطيران الخاص والتنفيذي، على أن تكون مكمّلة لمطار دمشق الدولي، ضمن خطة أوسع لإعادة تطوير منظومة النقل الجوي في سوريا.
وفي المقابل، تحولت طبيعة الموقع التاريخية إلى عامل رئيسي في النقاش حول كيفية تنفيذ المشروع، خصوصاً مع وجود نقاط يُشتبه بارتباطها بملف المفقودين.
اقرأ أيضاً: الرئيس السوري من الأمم المتحدة: الجولان أرض سورية والضم باطل
وثائق عن الإعدامات
يرى حقوقيون أن المخاوف تعود بشأن المطار إلى وثائق وشهادات تناولت دوره خلال سنوات الصراع في سوريا.
وتشير وثائق حصل عليها باحثون في مجال العدالة والمساءلة إلى أن السلطات الأمنية بحثت عام 2012 نقل تنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن محاكم ميدانية عسكرية إلى مواقع بينها مطار المزة.
وتتضمن الوثائق مراسلات تتعلق باختيار موقع داخل المطار وتجهيزه لتنفيذ الإعدامات، مع الإشارة إلى إجراءات أمنية مشددة للحفاظ على السرية.
لكن هذه الوثائق، بحد ذاتها، لا تثبت أن جميع عمليات الإعدام التي جرى التخطيط لها نُفذت فعلياً في الموقع المحدد، وهو ما يجعل الشهادات والأدلة الميدانية اللاحقة عنصراً أساسياً في استكمال الصورة.
مواقع دفن محتملة
تزداد حساسية أعمال التأهيل مع وجود معطيات عن مواقع يُشتبه بأنها استخدمت لدفن رفات معتقلين.
وتشير تحقيقات حقوقية إلى تحديد عدة مواقع محتملة داخل محيط المطار، بالاستناد إلى شهادات ناجين ومصادر داخلية وصور أقمار صناعية ووثائق جرى العثور عليها في الموقع.
كما أظهرت صور جوية، وفق هذه التحقيقات، تغيرات في طبيعة بعض المناطق ووجود رُدم ترابية جرى تسويتها لاحقاً، وهي مؤشرات لا تكفي وحدها لإثبات وجود مقابر جماعية، لكنها تبرر إجراء فحص ميداني وتحقيق جنائي متخصص قبل تغيير طبيعة الأرض.
وتوثق أبحاث سابقة أيضاً شهادات أمام محاكم أوروبية تحدثت عن دفن جثامين في مواقع مرتبطة بالمطار، ما يضيف طبقة أخرى إلى ملف يحتاج إلى التحقق الميداني والأدلة الجنائية.
الأدلة في دائرة الخطر
تكمن المخاوف الرئيسية في أن أعمال التسوية والحفر وإزالة الركام يمكن، إذا لم تُنفذ وفق إجراءات جنائية دقيقة، أن تؤثر في طبقات التربة أو تنقل أو تتلف أدلة قد تساعد في تحديد هوية الرفات وملابسات الوفاة.
ولهذا تكتسب الإجراءات التي أعلنت عنها السلطات أهمية خاصة؛ إذ قالت هيئة الطيران المدني إن جولة ميدانية أجرتها هيئة المفقودين أسفرت عن تحديد نقاط تستوجب تدابير احترازية، مع استبعادها من الأعمال التي قد تغير طبيعة التربة إلى حين استكمال التحقق الفني.
وتشير دراسات حقوقية إلى أن تحديد مصير المفقودين لا يعتمد على اكتشاف الرفات فقط، بل يتطلب الحفاظ على السياق الميداني والوثائق المرتبطة بمواقع الدفن، ثم إجراء عمليات استخراج وفحص جنائي وتحليل للحمض النووي عند العثور على بقايا بشرية.
ذاكرة الموقع
لا يرتبط الجدل بالمقابر المحتملة وحدها، إذ ارتبط مطار المزة، بحسب شهادات ووثائق حقوقية، بمنظومة الاحتجاز التابعة لأجهزة أمنية خلال عهد النظام السابق.
وتشير تحقيقات حقوقية إلى أن الموقع احتوى على مرافق احتجاز، وأن باحثين تمكنوا بعد سقوط النظام السابق من الوصول إلى أجزاء منه وتصوير كميات كبيرة من الوثائق، بينها قوائم معتقلين ومعلومات مرتبطة بمواقع يُشتبه بوجود مقابر فيها.
وتضع هذه المعطيات السلطات أمام مسارين متوازيين: تطوير المنشأة واستخدامها مدنياً من جهة، وحماية ما يمكن أن يشكل أدلة على مصير المفقودين من جهة أخرى.
بين الطيران والعدالة
يرى مراقبون أن المشروع الجديد يمنح المطار وظيفة مدنية مختلفة عن دوره السابق، لكن إعادة استخدام الموقع لا تلغي الأسئلة المرتبطة بتاريخه.
فالملف ،وفقاً للمراقبون، لا يتعلق فقط بإثبات وجود مقابر جماعية من عدمه، وإنما بتحديد مواقعها المحتملة، وحماية الأدلة، والتحقق من هوية أي رفات قد يُعثر عليها، وربطها بسجلات المعتقلين والمفقودين.
ويرى المراقبون أن التنسيق بين الجهات المشرفة على إعادة التأهيل والجهات المختصة بالمفقودين عاملاً حاسماً لتجنب تعارض أعمال التطوير مع عمليات البحث والتوثيق.