لم يعد توقف المعارك كافياً لإنهاء جميع المخاطر التي خلفتها سنوات الحرب في سوريا، إذ ما تزال الألغام والذخائر غير المنفجرة والأجسام المتفجرة تشكل تهديداً مباشراً للمدنيين، خصوصاً في المناطق السكنية والزراعية والطرق التي شهدت عمليات عسكرية خلال السنوات الماضية.
ومنذ بداية عام 2026، أدت انفجارات مرتبطة بمخلفات الحرب إلى مقتل 105 أشخاص، بينهم 95 طفلاً و10 نساء، إضافة إلى إصابة 160 شخصاً، بينهم 146 طفلاً و14 امرأة، وفق حصيلة موثقة خلال الفترة الممتدة من مطلع العام وحتى الآن.
وبذلك يصل عدد الأطفال والنساء الذين قتلوا أو أصيبوا نتيجة هذه المخلفات إلى 265 شخصاً، في مؤشر على أن الخطر الناجم عن سنوات القتال لا يزال قائماً حتى في المناطق التي تراجعت فيها العمليات العسكرية.
اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 20-9-2026
خطر ينتقل من ساحات القتال إلى الحياة اليومية
تتركز إحدى أبرز المشكلات في صعوبة اكتشاف الذخائر والأجسام المتفجرة، إذ يمكن أن تبقى مدفونة تحت التراب أو مختبئة بين الأنقاض لفترات طويلة، قبل أن يعثر عليها مدنيون أثناء أعمال الزراعة أو البحث عن مصادر الرزق أو حتى خلال تنقلهم اليومي.
ويواجه الأطفال خطراً مضاعفاً بسبب عدم قدرتهم على التمييز بين جسم عادي وآخر قد يكون معداً للانفجار. وقد يؤدي الاقتراب من جسم مجهول أو لمسه أو محاولة نقله إلى انفجاره، في حين يجد المزارعون أنفسهم مضطرين إلى دخول أراضٍ قد لا تكون خالية من الذخائر.
وفي مناطق خضعت لعمليات عسكرية واسعة خلال السنوات الماضية، لا يعني عودة السكان بالضرورة انتهاء المخاطر، فالطرق والأراضي الزراعية ومحيط المنازل قد تحتوي على مخلفات لم تخضع بعد للمسح أو الإزالة.
اقرأ أيضاً: 4 مخازن في 12 يوماً.. من يقف وراء انفجارات ترسانة الجيش السوري؟
الأطفال في مقدمة الضحايا
تظهر الأرقام أن الأطفال يشكلون النسبة الأكبر من ضحايا هذه المخلفات، إذ بلغ عدد الأطفال الذين قتلوا منذ بداية العام 95 طفلاً، فيما أصيب 146 آخرون.
وفي المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، سُجل مقتل 88 طفلاً وتسع نساء، إلى جانب إصابة 139 طفلاً و13 امرأة. وكان ثلاثة من الأطفال الذين قتلوا ضمن هذه الحصيلة يعملون في جمع الكمأة عندما تعرضوا للانفجار.
أما في مناطق الاندماج شمال شرق سوريا، فقد أدت مخلفات الحرب، منذ بداية العام وحتى نهاية آب، إلى مقتل سبعة أطفال وامرأة، وإصابة سبعة أطفال وامرأة أخرى.
ولا تعكس هذه الأرقام حجم الخطر وحده، بل تكشف أيضاً طبيعة الفئات الأكثر تعرضاً له، إذ يجد الأطفال أنفسهم أمام أجسام قد تبدو لهم مألوفة أو غير مؤذية، بينما تدفع الظروف الاقتصادية كثيراً من السكان إلى مواصلة العمل في مناطق قد تكون ملوثة بالذخائر.
اقرأ أيضاً: من القنابل المضيئة إلى القصف المدفعي.. تصعيد إسرائيلي جنوب سوريا
مناطق غير ممسوحة ومخاطر مؤجلة
تزداد المشكلة تعقيداً مع اتساع رقعة المناطق التي شهدت خلال سنوات الحرب عمليات عسكرية وقصفاً واستخداماً لأنواع مختلفة من الذخائر.
فإزالة الخطر لا تتوقف عند العثور على لغم أو جسم متفجر، وإنما تبدأ بعمليات مسح ميداني تحدد المناطق الملوثة، ثم تأمينها ووضع إشارات تحذيرية واضحة، وصولاً إلى إزالة الذخائر والتأكد من سلامة الأراضي قبل السماح للسكان باستخدامها.
لكن محدودية عمليات المسح والتطهير مقارنة باتساع المناطق المتضررة تبقي مساحة واسعة من الخطر مفتوحة، خصوصاً مع عودة السكان إلى مناطقهم وحاجة المزارعين إلى الوصول إلى أراضيهم.
وتتحول المشكلة بذلك إلى سلسلة مترابطة من المخاطر؛ ذخيرة لم تُكتشف، وأرض لم تُمسح، وسكان لم يحصلوا على التوعية الكافية، وطفل قد لا يدرك أن جسماً معدنياً صغيراً يمكن أن يكون قاتلاً.
إرث الحرب لا ينتهي بتوقف القتال
تشير حصيلة الضحايا إلى أن آثار الحرب لا تتوقف عند انتهاء المعارك أو تراجعها، فالذخائر غير المنفجرة والألغام يمكن أن تبقى خطراً لسنوات، ما يجعل التعامل معها جزءاً أساسياً من حماية المدنيين وإعادة استخدام المناطق السكنية والزراعية والطرق.
كما أن عودة السكان إلى المناطق التي غادروها خلال سنوات النزوح تضيف تحدياً جديداً، إذ يحتاج المدنيون إلى معرفة الأماكن الخطرة وتحديدها قبل استئناف حياتهم الطبيعية، بينما تتطلب إزالة المخلفات عمليات متخصصة لا يستطيع السكان تنفيذها بأنفسهم.
ومن هنا، لا تكفي دعوات الأهالي إلى الحذر، ولا يمكن تحميل الأطفال مسؤولية التعرف إلى الأجسام الخطرة، بل تحتاج المعالجة إلى عمليات منظمة للمسح والتطهير، بالتوازي مع برامج توعية مستمرة تستهدف الأطفال والمزارعين والسكان العائدين إلى المناطق المتضررة.
وتبقى إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة وتأمين المناطق الملوثة من أبرز التحديات الإنسانية التي تفرضها سنوات الحرب، إلى جانب توفير الموارد والخبرات اللازمة لتوسيع عمليات التطهير وتحديد المناطق التي لا تزال تشكل خطراً على المدنيين.
فبينما تتراجع آثار القتال المباشر، تستمر بعض مخلفاته في الظهور داخل تفاصيل الحياة اليومية، من حقل زراعي إلى طريق ريفي أو محيط منزل، لتبقي المدنيين أمام خطر قد لا يظهر إلا لحظة وقوع الانفجار.