دخلت الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية مرحلة جديدة من الضغط على أسواق المنتجات النفطية، بعدما أعلنت موسكو تعرض منشأة داخل مصفاة نفط في العاصمة لضربة بطائرة مسيّرة فجر الأحد، في وقت تواجه فيه الأسواق العالمية اضطرابات متزامنة مرتبطة بإمدادات الشرق الأوسط.
ونقلت وكالة الأنباء الروسية «تاس» عن رئيس بلدية موسكو سيرغي سوبيانين قوله إن منشأة داخل مصفاة نفط في العاصمة تضررت جراء هجوم أوكراني بالطائرات المسيّرة، من دون تسجيل خسائر بشرية.
وسبق أن تعرضت المصفاة نفسها لهجمات أوكرانية خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.
وتأتي الضربة الجديدة في توقيت تتزايد فيه المخاوف من انعكاس استهداف منشآت التكرير الروسية على إمدادات المنتجات النفطية عالمياً، خصوصاً البنزين والديزل ووقود الطائرات، بالتزامن مع اضطرابات تطال تدفقات النفط المرتبطة بمضيق هرمز.
اقرأ أيضا: سفير أمريكي سابق يربط إصلاح العلاقات بإطاحة نتنياهو
ضغوط من واشنطن لوقف استهداف الطاقة
وتتزامن الهجمات مع ضغوط مارستها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب على كييف لوقف استهداف منشآت الطاقة الروسية.
وكان ترمب قد أعلن، الاثنين الماضي، أن روسيا وأوكرانيا تعهدتا بوقف استهداف البنية التحتية للطاقة في البلدين. وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداد كييف لاتخاذ «خطوات تهدئة» إذا أقدمت موسكو على خطوات مماثلة، بينما وصف الكرملين المبادرة بأنها «فكرة جيدة».
لكن استمرار الهجمات على المنشآت النفطية يطرح تساؤلات بشأن مدى الالتزام بهذا التفاهم، خصوصاً أن ترمب سبق أن أبدى غضباً من الضربات الأوكرانية التي استهدفت البنية التحتية النفطية الروسية.
وبحسب ما أوردته وكالة رويترز، لا يبدو أن موسكو وكييف التزمتا بصورة كاملة بالترتيب المعلن، بينما يعكس تركيز الإدارة الأمريكية على حماية منشآت إنتاج وتكرير الوقود حجم المخاوف من تأثير الحرب في إمدادات الطاقة العالمية.
النفط الروسي يتغير من الخام إلى المنتجات
ولا يقتصر أثر استهداف المصافي الروسية على حجم النفط المتاح في الأسواق، بل يمتد إلى طبيعة الصادرات نفسها.
وبحسب تقرير لمعهد أكسفورد للطاقة، فإن الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية الروسية تؤدي إلى تراجع قدرة المصافي على تحويل الخام إلى منتجات مكررة، ما يدفع نحو زيادة حصة النفط الخام في الصادرات الروسية مقابل انخفاض توافر المنتجات الأعلى قيمة، وفي مقدمتها البنزين والديزل ووقود الطائرات.
ويعني ذلك أن تعطل المصافي يمكن أن يترك أثراً أكبر في أسواق الوقود العالمية من مجرد انخفاض صادرات الخام، خصوصاً عندما تتزامن هذه التطورات مع اضطراب طرق الإمداد في الشرق الأوسط.
كما أن انخفاض صادرات روسيا من البنزين والديزل يضغط على الأسواق التي تعتمد على هذه الإمدادات، ومن بينها تركيا والبرازيل ودول في شمال أفريقيا وغربها، ما يدفع المشترين إلى البحث عن كميات بديلة من البحر المتوسط وحوض الأطلسي وآسيا.
وقد يؤدي ذلك إلى زيادة المنافسة على الشحنات المتاحة، والحفاظ على هوامش التكرير وأسعار المنتجات النفطية عند مستويات مرتفعة.
هرمز يضيف ضغطاً جديداً
وتتداخل في سوق الطاقة حالياً أزمتان منفصلتان جغرافياً؛ الأولى تتمثل في اضطراب تدفقات النفط الخام المرتبطة بمضيق هرمز، والثانية في تراجع قدرة روسيا على إنتاج وتصدير بعض المنتجات المكررة نتيجة الضربات التي تستهدف منشآت التكرير.
ويزيد هذا التزامن من حساسية أسواق الوقود، إذ يأتي تراجع المنتجات الروسية في وقت تواجه فيه الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط ضغوطاً إضافية.
وبالنسبة إلى إدارة ترمب، لا ترتبط المسألة بسوق الطاقة وحده، إذ يمكن لاستمرار ارتفاع أسعار البنزين والديزل أن يضيف أعباء اقتصادية على المستهلكين الأمريكيين قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في تشرين الثاني المقبل، في وقت يسعى فيه الحزب الجمهوري إلى الحفاظ على موقعه السياسي.
ويرى محللون أمريكيون أن عدم تحقيق تقدم كبير في الحرب مع إيران أو الحرب الروسية الأوكرانية قد يعني استمرار الضغوط على أسعار الوقود قبل موعد الانتخابات.
وقال باتريك دي هان، رئيس قسم تحليل النفط في منصة «غاس بادي» المتخصصة في متابعة أسعار الوقود، إن التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران أو إحراز تقدم في الحرب الأوكرانية قد يساعد في خفض الأسعار قبل الانتخابات، لكنه حذر من أن الوقت المتاح لتحقيق ذلك «ينفد سريعاً».
حملة تمتد إلى منشآت بعيدة عن الجبهة
وتأتي الضربة التي استهدفت منشأة داخل مصفاة موسكو ضمن موجة أوسع من الهجمات الأوكرانية على منشآت حيوية داخل الأراضي الروسية منذ بداية أيلول.
وامتدت هذه الهجمات بعيداً عن خطوط القتال، واستهدفت منشآت مرتبطة بقطاع الطاقة وسلاسل الإمداد.
وشملت الضربات مصافي نفط في نيجني نوفغورود وريازان وساراتوف وياروسلافل، الواقعة في الجزء الأوروبي من روسيا وعلى مسافات متفاوتة شرق وجنوب شرق موسكو.
كما طالت الهجمات ميناء نوفوروسيسك على البحر الأسود وميناء ماخاتشكالا على بحر قزوين.
ويعني استمرار استهداف المصافي أن التأثير المحتمل لا يقتصر على كمية النفط الخام الروسي التي تصل إلى السوق، بل يمتد إلى قدرة موسكو على توفير المنتجات المكررة التي تعتمد عليها أسواق خارجية.
حسابات واشنطن والانتخابات
وتضع هذه التطورات إدارة ترمب أمام معادلة تجمع بين الحرب الروسية الأوكرانية وأزمة إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط.
فمن جهة، تضغط واشنطن على كييف للحد من استهداف منشآت الطاقة الروسية، في محاولة للحفاظ على التفاهم المعلن بشأن وقف ضرب البنية التحتية للطاقة. ومن جهة أخرى، تزداد حساسية الإدارة الأمريكية تجاه أسعار الوقود مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وفي حال تواصلت الهجمات على المصافي الروسية بالتزامن مع اضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، فقد تزداد الضغوط على سوق المنتجات النفطية، خصوصاً الديزل، الذي يشكل أحد أكثر عناصر السوق حساسية لأي نقص مفاجئ في الإمدادات.
وبذلك، تتقاطع تداعيات حربين منفصلتين جغرافياً داخل سوق الطاقة العالمية: ضربات أوكرانية تستهدف قدرة روسيا على تكرير النفط وتصدير المنتجات، واضطرابات مرتبطة بمضيق هرمز تؤثر في تدفقات الخام من الشرق الأوسط.
وتضع هذه التطورات أسعار الوقود في الولايات المتحدة ضمن حسابات أوسع لإدارة ترمب، في وقت تقترب فيه الانتخابات النصفية، بينما لا تزال مسارات الحربين مفتوحة من دون تسوية واضحة يمكن أن تخفف الضغوط عن أسواق الطاقة.