ضغوط متراكمة
لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات في سوريا مجرد زيادة جديدة تضاف إلى قائمة تكاليف المعيشة، بل أصبح بالنسبة إلى كثير من الأسر عاملاً يضاعف الضغوط على ميزانياتها، في ظل امتداد تأثيره إلى النقل والغذاء والدواء والتعليم ومختلف الاحتياجات اليومية.
ومع كل زيادة جديدة، تجد الأسر نفسها أمام إعادة حساب أولوياتها، ليس لتحديد ما يمكن شراؤه فحسب، بل لتحديد ما يمكن الاستغناء عنه أو تأجيله. وخلال السنوات الماضية، انتقلت شريحة واسعة من العائلات من تقليص الإنفاق على الترفيه والكماليات إلى خفض نفقات مرتبطة باحتياجات أساسية، بالتزامن مع تراجع الادخار والتخطيط للمستقبل.
اقرأ أيضاً: لواء من عهد الأسد في قبضة الأمن السوري
تقليص الضروريات
يقول مواطن، وهو موظف في متجر لبيع الألبسة وأب لطفلين، إن ظروف المعيشة أصبحت أكثر صعوبة مع كل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
ويوضح أن عائلته بدأت منذ فترة طويلة تقليص احتياجاتها، مشيراً إلى أنها كانت تشتري اللحوم أربع مرات شهرياً، قبل أن تتوقف عن شرائها بالكامل، وتعتمد بدلاً منها على بدائل أقل كلفة في إعداد الطعام.
كما تراجعت قدرته على شراء الملابس لأطفاله، إذ لم يشترِ لهم ملابس جديدة منذ عام، إلا عند وصول الملابس القديمة إلى حالة لا تسمح بمواصلة استخدامها.
ولا تقتصر الضغوط على الغذاء والكساء، إذ بات الدخل غير كافٍ لتغطية الاحتياجات اليومية من الغذاء والدواء وسواهما، بينما خرجت الأنشطة الترفيهية من ميزانية الأسرة منذ سنوات.
وتخلت الأسرة أيضاً عن الرحلات العائلية إلى المتنزهات، بسبب ارتفاع تكاليف النقل والمصاريف المرتبطة بها.
اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 19-9-2026
المحروقات والسوق
أما مواطن متقاعد يبلغ 60 عاماً، فيرى أن ارتفاع أسعار المحروقات لا يؤثر عليه بصورة مباشرة، لعدم امتلاكه سيارة، لكن انعكاساته على أسعار السلع والخدمات تمثل المشكلة الأكبر بالنسبة إليه.
ويقول إن ارتفاع تكلفة الوقود ينعكس على الأسواق، مع زيادة تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، الأمر الذي يضيف أعباء جديدة إلى ميزانية الأسر.
ويبلغ راتبه التقاعدي نحو 100 دولار أو أقل، أي ما يعادل قرابة 13 ألف ليرة سورية جديدة، وفق ما ذكر، وهو مبلغ يقول إنه لا يكفي لتغطية نفقات الشهر، بعدما يذهب جزء كبير منه إلى فواتير الكهرباء والمياه وشراء الأدوية.
الراتب قبل الشهر
يقول المواطن إن راتبه ينفد عادة بحلول منتصف الشهر، لتبدأ بعدها رحلة الاستدانة من متاجر الخضار والمواد الغذائية، على أمل تحسن دخله أو زيادة رواتب المتقاعدين بما يسمح له بتسديد ديونه.
ويضيف أن حاجته المستمرة إلى الأدوية تزيد من صعوبة وضعه المالي، إذ اضطر، بحسب شهادته، إلى تقليص استخدام أحد الأدوية التي يتناولها بصورة منتظمة، والاكتفاء بجرعات أقل من المعتاد بسبب صعوبة تأمين تكلفتها.
وتعكس هذه الشهادة جانباً من الضغوط التي تواجهها الأسر محدودة الدخل، عندما يصبح تأمين الاحتياجات الصحية الأساسية مرتبطاً مباشرة بقدرتها على تحمل النفقات الشهرية.
العمل من أجل الدراسة
لم تتوقف تداعيات الضغوط المعيشية عند الغذاء والصحة، بل امتدت إلى التعليم ومستقبل الشباب.
ويعمل مواطن، وهو طالب في السنة الثانية بكلية الهندسة المدنية، مع عمال البناء في ريف دمشق لتأمين نفقات دراسته ومواصلاته، إلى جانب المساهمة في مصاريف أسرته.
ويقول إن الظروف المعيشية الصعبة دفعته إلى العمل بالتوازي مع دراسته، بعدما أصبح تأمين تكاليف النقل والاحتياجات الجامعية عبئاً إضافياً على أسرته.
وتشير هذه الحالات إلى تغير في أولويات بعض الأسر، إذ لم يعد التعليم منفصلاً عن الضغوط الاقتصادية اليومية، مع اضطرار طلاب إلى العمل لتغطية جزء من تكاليف دراستهم.
ميزانية بلا هامش
يرى خبراء اقتصاديون أن الارتفاعات الأخيرة دفعت الأسر السورية إلى إعادة ترتيب طريقة إدارة ميزانياتها، موضحين أن الدخل عندما لا يعود كافياً لتغطية الاحتياجات الأساسية، يصبح التخطيط للمستقبل مؤجلاً لصالح تلبية الضرورات اليومية.
ويشير الخبراء إلى أن ميزانية الأسرة باتت تقوم في كثير من الحالات على سلسلة من المفاضلات اليومية: شراء الغذاء أو تأجيل حاجة أخرى، دفع فاتورة أو سداد دين، شراء الدواء أو تقليص نفقات أخرى.
وبالتوازي، تتراجع مساحة الإنفاق على الترفيه والادخار وتحسين مستوى المعيشة، بينما يصبح الوصول إلى نهاية الشهر بأقل قدر ممكن من الديون هدفاً أكثر إلحاحاً من بناء مدخرات أو التخطيط لأهداف مستقبلية.
فجوة بين الأسر
يشير الخبراء إلى وجود فجوة اقتصادية متزايدة بين الأسر السورية، موضحين أن تأثير ارتفاع الأسعار لا يكون متساوياً، بل يرتبط بمستوى الدخل وحجم النفقات.
ففي الوقت الذي تضطر فيه الأسر محدودة الدخل إلى حساب تكلفة كل احتياج أساسي، وقد تلجأ إلى الاستدانة أو تقليص الإنفاق على الغذاء والدواء، تستطيع الأسر ذات الدخل الأعلى مواصلة الإنفاق على التعليم الخاص والمطاعم والخدمات بدرجات متفاوتة.
وتظهر هذه الفجوة بصورة خاصة في قطاعات التعليم والصحة والغذاء والسكن، وهي مجالات ترتبط مباشرة بقدرة الأسرة على الحفاظ على مستوى معيشي مستقر وتأمين مستقبل أبنائها.
كلفة تتجاوز الوقود
لا يقتصر أثر ارتفاع أسعار المحروقات على الأسر التي تمتلك سيارات، إذ تمتد تداعياته إلى تكاليف النقل والإنتاج والتوزيع، قبل أن تصل في النهاية إلى أسعار العديد من السلع والخدمات.
وتكون الأسر ذات الدخل المحدود أكثر تعرضاً لهذه الضغوط، نظراً إلى أن الجزء الأكبر من دخلها يذهب أصلاً إلى الاحتياجات الأساسية، ما يترك هامشاً محدوداً للتعامل مع أي زيادات جديدة.
تراجع الاستثمار بالمستقبل
يعتبر خبراء اقتصاديون أن اضطرار الطالب إلى العمل لتأمين تكاليف دراسته ومواصلاته، أو لجوء المتقاعد إلى الاستدانة لتغطية احتياجاته، لا يعكسان فقط تراجع القدرة الشرائية، بل يشيران أيضاً إلى تقلص قدرة الأسرة تدريجياً على الاستثمار في المستقبل.
فكلما ارتفعت حصة الغذاء والدواء والسكن والنقل من الدخل، تراجعت المساحة المتاحة للادخار والتعليم وتحسين ظروف المعيشة، ما يجعل الأسر أكثر انشغالاً بتأمين احتياجات الحاضر.