تصاعد هجمات المسيّرات يضع المنشآت البريطانية تحت المراقبة

2026.09.19 - 19:02
Facebook Share
طباعة

 سجّلت مواقع تابعة لوزارة الدفاع البريطانية أو تقع في محيطها 340 حادثاً أمنياً مرتبطاً بطائرات مسيّرة خلال عام واحد، في مؤشر على تصاعد حضور هذا النوع من التهديدات في محيط المنشآت العسكرية، بالتزامن مع ارتفاع المخاوف الأوروبية من أنشطة توصف بـ"الحرب الهجينة".

وبحسب بيانات كُشف عنها السبت، فإن عدد الحوادث المسجلة خلال الأشهر الـ12 المنتهية في أغسطس/آب الماضي، تجاوز بشكل واضح ما تم رصده خلال السنوات السابقة؛ إذ بلغ عددها 250 حادثاً في عام 2025، مقابل 126 حادثاً في العام الذي سبقه.

وتقول الحكومة البريطانية إن جزءاً من الزيادة المسجلة يرتبط أيضاً بتحسن آليات الرصد والإبلاغ، وليس بالضرورة بارتفاع مماثل في عدد الهجمات الفعلية.

وقالت وزيرة الدولة للقوات المسلحة لويز ساندهر-جونز إن الحكومة تتعامل بجدية مع ما وصفته بتهديد المسيّرات المعادية لمواقع وزارة الدفاع، مشيرة إلى أن ارتفاع الأرقام يعكس كذلك تطور إجراءات اليقظة والإبلاغ.

وفي هذا السياق، أنشأت السلطات البريطانية في فبراير/شباط الماضي مناطق جوية مقيدة فوق 44 موقعاً عسكرياً استراتيجياً، مع خطة لتوسيع الإجراء ليشمل 160 موقعاً إضافياً خلال الخريف.

 

أوكرانيا في خلفية التوتر

يتزامن هذا التصعيد مع استمرار بريطانيا في لعب دور رئيسي في دعم أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا، إذ قدمت لندن لكييف نحو 29 مليار يورو منذ بدء الحرب عام 2022، بينها أكثر من 18 مليار يورو مساعدات عسكرية.

وتأتي هذه السياسة في وقت تتهم فيه دول أوروبية موسكو باستخدام أدوات متعددة للضغط على الدول الداعمة لأوكرانيا، ضمن ما تصفه بـ"الحرب الهجينة"، التي تتداخل فيها أنشطة التجسس والتخريب والضغط الأمني مع المواجهة العسكرية التقليدية.

وحذرت وزارة الدفاع البريطانية من أن المملكة المتحدة وحلفاءها يبقون في حالة يقظة تجاه التهديدات المحتملة، مؤكدة استعداد الحكومة للتعامل مع أي عدوان يستهدف بريطانيا أو حلفاءها.

وفي المقابل، تصاعدت اللهجة الروسية تجاه لندن. فقد استدعت موسكو القائمة بالأعمال البريطانية بالوكالة للاحتجاج على استمرار بريطانيا في زيادة إمدادات المسيّرات وأنظمة التسليح إلى أوكرانيا.

كما حملت السفارة الروسية في لندن الحكومة البريطانية مسؤولية ما وصفته بتدهور العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوياتها تاريخياً، في وقت حذرت فيه موسكو من أن المنشآت العسكرية البريطانية الموجودة في أوكرانيا قد تصبح أهدافاً مشروعة إذا استُخدمت لدعم هجمات بعيدة المدى ضد الأراضي الروسية.

 

من أوكرانيا إلى الداخل البريطاني

ويأتي ذلك وسط تقارير عن استخدام أوكرانيا مسيّرات تنتجها شركات بريطانية في استهداف مواقع عسكرية وصناعية داخل روسيا، وهو ما تعتبره موسكو دليلاً إضافياً على اتساع الدور البريطاني في الحرب.

وترى روسيا أن مشاركة شركات بريطانية في إنتاج هذه المسيّرات وتسليح أوكرانيا بها تتجاوز حدود الدعم السياسي والعسكري التقليدي، بينما تواصل كييف تطوير قدرتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية.

أما الحكومة البريطانية، فتتمسك بمواصلة دعم أوكرانيا، إذ جدد رئيس الوزراء آندي بيرنهام التزام بلاده بمساندة كييف، مؤكداً أن لندن ستواصل دعمها حتى تتمكن أوكرانيا من الدفاع عن نفسها.

وهكذا، تتقاطع الزيادة في حوادث المسيّرات داخل بريطانيا مع تصاعد التوتر بين لندن وموسكو، لتصبح المنشآت العسكرية البريطانية جزءاً من بيئة أمنية أوسع لا تقتصر مخاطرها على ساحات القتال المباشرة.

 

ظاهرة تتوسع داخل أوروبا

ولا تقتصر الظاهرة على بريطانيا، إذ شهدت دول أوروبية أخرى خلال الفترة الأخيرة حوادث تحليق مسيّرات مجهولة فوق مطارات ومنشآت حساسة، بعضها أدى إلى تعليق حركة الطيران واستنفار الأجهزة الأمنية.

وفي ألمانيا، اتهمت السلطات موسكو بالوقوف وراء هجوم بمسيّرة تحمل مواد متفجرة استهدف مطار لايبزيغ الاستراتيجي، وهي اتهامات نفتها روسيا.

ويكتسب المطار أهمية خاصة لكونه مركزاً رئيسياً للشحن والعمليات اللوجستية المرتبطة بحلف شمال الأطلسي في شرق ألمانيا، إضافة إلى وجود طائرات شحن أوكرانية من طراز "أنتونوف إن-124".

كما رُصدت مسيّرات مجهولة قرب مطارات في الدنمارك والنرويج وألمانيا، وصولاً إلى مناطق قريبة من قواعد عسكرية ومنشآت حساسة في بلجيكا وفرنسا، بينها منشآت مرتبطة بالقدرات العسكرية الاستراتيجية.

ورغم اختلاف ظروف هذه الحوادث ودرجة التحقق من هوية الجهات التي تقف وراءها، فإنها تشترك في نتائجها الأمنية، من تعطيل حركة الطيران إلى استنفار القوات والأجهزة المختصة وإبقاء المنشآت الحساسة تحت ضغط المراقبة المستمرة.

 

لماذا تتزايد هذه الحوادث؟

تكمن أهمية أرقام بريطانيا في أنها لا تقدم دليلاً منفرداً على مسؤولية جهة محددة عن جميع حوادث المسيّرات، لكنها تكشف اتساع مساحة التهديد الذي باتت تمثله هذه الطائرات بالنسبة للمنشآت العسكرية والأمنية.

وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا، تنظر حكومات أوروبية إلى بعض هذه الوقائع ضمن مفهوم أوسع للحرب الهجينة، أي التحرك في المنطقة الفاصلة بين الحرب المفتوحة والسلم، باستخدام وسائل مثل التجسس والتخريب واختبار جاهزية أنظمة الحماية وإثارة حالة مستمرة من القلق الأمني.

لكن تحديد الجهة المسؤولة يبقى مختلفاً من حادثة إلى أخرى، كما أن مستوى الأدلة المتوافرة ليس متساوياً في جميع الحالات.

وبالنسبة لبريطانيا، فإن ارتفاع عدد الحوادث إلى 340 خلال عام واحد يضع حماية المنشآت العسكرية أمام تحدٍ متزايد، في وقت يرتبط فيه الدور البريطاني في الحرب الأوكرانية بتوتر متصاعد مع روسيا، بينما تنتقل تداعيات الصراع تدريجياً من ساحات القتال إلى المجال الأمني الأوروبي الأوسع.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


بريطانيا

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 10 + 2