سجلت المالية العامة السورية عجزاً يقارب 1 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، بعدما بلغت الإيرادات نحو 2.7 مليار دولار مقابل إنفاق وصل إلى 3.7 مليارات دولار، وفق تقرير وزارة المالية الصادر في 31 أغسطس. ارتفعت الإيرادات بنسبة 111% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، لكن الإنفاق نما بوتيرة أسرع بلغت 331%، مدفوعاً بزيادة الرواتب والأجور وارتفاع كلفة السلع والخدمات وأسعار الواردات.
أقرا أيضاً:شركات أميركية في دمشق.. استكشاف للسوق أم بداية استثمار؟
تعكس الأرقام ضغطاً متزايداً على إدارة الموارد العامة، في وقت تستعد فيه الحكومة لإعداد موازنة 2027. وبلغ تنفيذ الإيرادات خلال الأشهر الستة الأولى نحو 31% من التقديرات السنوية، مقابل 35% من إجمالي النفقات المعتمدة، بينما تتوقع وزارة المالية ارتفاع الموارد خلال النصف الثاني من العام من الضرائب والجمارك والنفط والغاز وبعض الإيرادات الاستثنائية.
تكمن المشكلة الأساسية في الفارق بين نمو الموارد ونمو الالتزامات. فالزيادة في الرواتب والنفقات الجارية تخلق احتياجات مالية متكررة، بينما تحتاج الدولة إلى إيرادات منتظمة وقابلة للاستمرار لتغطية هذه الالتزامات من دون زيادة الضغوط على الموازنة.
أقرا أيضاً:أبنية محدودة وأعداد متزايدة.. أزمة التعليم في إدلب
أوصى صندوق النقد الدولي، عقب مهمة أجراها في دمشق خلال يوليو، بأن تستند موازنة 2027 إلى تقديرات محافظة للإيرادات والتمويل، مع ضبط نمو الإنفاق الجاري وتعزيز إدارة المالية العامة وتوسيع الإيرادات الضريبية والجمركية. كما دعا إلى تشديد الرقابة على العمليات خارج الموازنة والالتزامات المحتملة والضمانات الحكومية، إلى جانب مواصلة إصلاح إدارة الدين العام.
يرتبط اتساع الحيز المالي بقدرة الحكومة على زيادة الإيرادات المنتظمة وتحسين كفاءة التحصيل وترتيب أولويات الإنفاق. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ظل استمرار الحاجة إلى تمويل الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية.
تضيف أسعار الوقود ضغطاً جديداً على المالية والأسر معاً. ففي سبتمبر رفعت الحكومة أسعار الديزل بنحو 40% والبنزين بنحو 28%، مبررة القرار بارتفاع تكاليف تأمين المشتقات النفطية واعتماد البلاد على الواردات خلال أعمال الصيانة في مصفاة بانياس. وأثارت الزيادة احتجاجات في مناطق عدة، مع ارتفاع تكاليف النقل والسلع والخدمات.
دفعت تداعيات رفع الأسعار الحكومة لاحقاً إلى طرح أسعار أقل للديزل المخصص للتدفئة والزراعة والقطاعات الإنتاجية، مع تحديد شرائح سعرية مختلفة بحسب الاستخدام. وأعلنت وزارة الطاقة أن السعر الأدنى المخصص للتدفئة والزراعة يبلغ 115 ليرة سورية للتر، في حين تبلغ الأسعار المخصصة لاستخدامات أخرى 150 و175 ليرة، مع بقاء السعر القياسي دون كلفة الشراء البالغة نحو 206 ليرات للتر وفق الوزارة.
توضح أزمة الوقود صعوبة الموازنة بين كلفة الاستيراد والأسعار المحلية. فرفع الأسعار يخفف جزءاً من الضغط على الموارد العامة، لكنه ينقل جانباً من الكلفة إلى الأسر والقطاعات الاقتصادية، ما يرفع الحاجة إلى سياسات تستهدف الفئات الأكثر تضرراً وتحافظ في الوقت نفسه على استدامة المالية العامة.
يتصل ملف الإيرادات أيضاً بقدرة الاقتصاد على توفير موارد متكررة. ويعتمد توسيع القاعدة المالية على تحسين التحصيل الضريبي والجمركي وتنشيط القطاعات الإنتاجية والاستثمارية، إلى جانب إدارة أفضل للموارد النفطية والإيرادات غير المتكررة.
شهدت الفترة الأخيرة اتصالات مع مؤسسات دولية وجهات استثمارية في إطار البحث عن تمويل ومساندة لمسار التعافي. ويربط صندوق النقد استمرار دعمه الفني لسوريا بتحسين إدارة المالية العامة وتعبئة الإيرادات وإدارة الدين وإصلاح القطاع المصرفي وتطوير البيانات الاقتصادية.
تضع هذه المعطيات موازنة 2027 أمام مجموعة من الخيارات المتعلقة بحجم الإنفاق الجاري والاستثماري، ومصادر تمويله، ومدى الاعتماد على الإيرادات الاستثنائية. ويشير عجز النصف الأول إلى حاجة المالية العامة إلى مواءمة نمو الإنفاق مع قدرة الإيرادات على تمويل الالتزامات المستمرة.
يصبح التحدي الأساسي أمام السياسة المالية السورية هو توسيع قاعدة الإيرادات بالتوازي مع ضبط الإنفاق وترتيب الأولويات، بما يسمح بتمويل الرواتب والخدمات الأساسية والاستثمار في التعافي من دون تراكم ضغوط مالية إضافية.