حضور اقتصادي واسع
شهدت دمشق يومي 14 و15 أيلول الجاري اجتماعات اقتصادية سورية أميركية بمشاركة نحو 50 شركة وأكثر من 80 ممثلاً عن قطاع الأعمال الأميركي، في أكبر تجمع اقتصادي أميركي يزور سوريا منذ رفع العقوبات.
وتوزعت الشركات المشاركة على قطاعات الطاقة والنفط والغاز والهندسة والإنشاءات والخدمات المالية والتكنولوجيا والاتصالات والصحة والزراعة والنقل والخدمات القانونية وإدارة المخاطر، وسط نقاشات ركزت على فرص الاستثمار، والبيئة القانونية والمالية، والشركاء المحليين والمشروعات المطروحة.
ولم يكن الوفد متجانساً في مستوى اهتمامه أو جاهزيته؛ إذ شاركت شركات بهدف استكشاف السوق وفهم البيئة الاستثمارية، بينما بدت شركات أخرى أكثر تقدماً في البحث عن مشاريع وشراكات ومسارات عملية للدخول إلى سوريا.
اقرأ أيضاً: الشيباني في مطار اللاذقية.. متابعة تنفيذ التفاهمات مع روسيا
ما وراء الاجتماعات
أظهرت بيانات المشاركين أن عدداً من الشركات الكبرى شارك عبر مسؤولين عن تطوير الأعمال ودخول الأسواق والشؤون الحكومية والعلاقات المؤسسية، وليس عبر فرق تشغيلية وتنفيذية، ما يشير إلى أن جزءاً مهماً من الوفد كان لا يزال في مرحلة تقييم السوق وبناء العلاقات والبحث عن فرص قابلة للتعاقد.
في المقابل، حملت مشاركة بعض الشركات مؤشرات على انتقالها من مرحلة الاهتمام العام إلى بحث أكثر تحديداً في المشاريع والعمليات والشراكات المحتملة.
وتبرز هنا أسماء عاملة في الطاقة والنفط والخدمات المالية والتكنولوجيا والبنية التحتية، إلى جانب شركات تقدم الخدمات القانونية والأمنية واللوجستية التي يحتاجها المستثمرون قبل إطلاق مشاريعهم وبعدها.
اقرأ أيضاً: بين السعر الرسمي والموازي.. الدولار يختبر الليرة السورية
النفط والطاقة في الصدارة
احتل قطاع الطاقة موقعاً بارزاً في تركيبة الوفد، مع مشاركة شركات مثل Chevron وSLB وBaker Hughes، إلى جانب Hunt Oil وHKN Energy وشركات متخصصة بالمسح الجيوفيزيائي وتقنيات التكرير والبتروكيماويات.
وتكشف طبيعة هذه المشاركات أن الاهتمام لا يقتصر على استخراج النفط والغاز، بل يمتد إلى مراحل مختلفة من سلسلة الطاقة، بما في ذلك المسح والاستكشاف والحفر وتشغيل الحقول ونقل الخام ومعالجة الغاز والتكرير والبتروكيماويات.
وتكتسب مشاركة بعض الشركات أهمية إضافية مع وجود خطوات معلنة بالفعل في السوق السورية، بما في ذلك تحركات مرتبطة بالتنقيب البحري ومشروعات نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية.
معدات الإعمار
برز قطاع معدات البناء والتعدين أيضاً من خلال حضور Caterpillar، في وقت تشير بيانات المشاركين إلى وجود وكيل محلي معتمد للشركة في سوريا.
ويشكل وجود قناة محلية للتوريد والصيانة وقطع الغيار خطوة مختلفة عن مجرد المشاركة في وفد تجاري، خصوصاً أن إعادة الإعمار تتطلب كميات كبيرة من الحفارات والجرافات واللوادر ومولدات الكهرباء ومعدات الطرق والمقالع وقطاع النفط.
ولا يعتمد هذا النوع من الأسواق على بيع المعدات فقط، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل الصيانة وقطع التبديل والتمويل والتأجير والتدريب والخدمات الفنية.
المال بوابة الاستثمار
لم تقتصر الأسئلة المالية على الشركات المتخصصة بالمدفوعات، إذ برزت قضايا تحويل الأموال ومكافحة غسل الأموال وتمويل العمليات داخل سوريا باعتبارها من المسائل التي تهم شركات من قطاعات مختلفة.
وشهدت الاجتماعات حضوراً للجهات المالية السورية، مع مناقشة الملفات المصرفية والقانونية والتنظيمية المرتبطة بالاستثمار.
كما شملت قائمة المشاركين Mastercard وVisa وCiti، إلى جانب Erebor Bank، التي ارتبط حضورها ببحث مسارات مالية بالدولار للشركات الأميركية العاملة في سوريا، فضلاً عن اهتمامها بالأصول الرقمية والعملات المستقرة.
وتكشف هذه المشاركة أن عودة الشركات الأميركية إلى السوق السورية لا تتعلق فقط بفتح الأسواق أمام السلع والخدمات، بل ترتبط أيضاً بقدرة النظام المالي على تسهيل المدفوعات وتحويل الأموال وإدارة العمليات التجارية.
خدمات ما قبل الاستثمار
من اللافت في تركيبة الوفد حضور شركات متخصصة بالأمن وإدارة المخاطر والعمليات واللوجستيات والخدمات القانونية، بينها GardaWorld وIDG وArcova وDLA Piper.
وتؤدي هذه الشركات دوراً مختلفاً عن المستثمر المباشر، لكنها تمثل جزءاً أساسياً من البنية التي يحتاج إليها الاستثمار في الأسواق التي تمر بمرحلة انتقالية.
وتشمل هذه الخدمات تقييم المخاطر، وحماية العاملين والمنشآت، والامتثال، وإعداد العقود، والتحكيم، وهيكلة الشركات، والتعامل مع المتطلبات القانونية وسلاسل الإمداد.
وتشير هذه التركيبة إلى أن الشركات لا تنظر إلى السوق السورية من زاوية حجم الفرص وحده، بل تدرس أيضاً الشروط التي تجعل الاستثمار قابلاً للاستمرار على المدى الطويل.
الزراعة والصحة والاتصالات
امتد الاهتمام الأميركي إلى قطاعات أخرى، بينها الزراعة والصحة والاتصالات.
وشاركت PepsiCo، فيما ظهر اهتمام بقطاع الزراعة وتطوير البذار وتجارة وتصنيع الحبوب وسلاسل الغذاء، إلى جانب حضور Cargill.
وفي القطاع الصحي، برزت GE HealthCare من خلال لقاءات مرتبطة بالتكنولوجيا والمعدات والحلول الطبية.
أما قطاع الاتصالات، فشهد حضور UNIFI Communications، التي تشارك بالفعل مع المؤسسة السورية للاتصالات وشركة قبرصية في مشروع الكبل البحري «أوغاريت 2»، مع متابعة العمل على مشروع جديد لم تتضح تفاصيله أو مرحلته النهائية.
دورة استثمار متكاملة
عند جمع القطاعات والشركات المشاركة، تظهر أمام السوق السورية منظومة تكاد تشكل دورة استثمار متكاملة: شركات للطاقة، وأخرى للتكنولوجيا والخدمات، وشركات هندسية وإنشائية، وموردو معدات، ومصارف وشبكات دفع، إلى جانب شركات الاتصالات واللوجستيات والخدمات القانونية وإدارة المخاطر.
ولا يعني ذلك أن الوفد شُكّل مسبقاً وفق خطة موحدة، بل جاء نتيجة مشاركة شركات من قطاعات مختلفة لديها اهتمام بالسوق السورية.
لكن تنوع المشاركين يكشف احتياجات الاستثمار نفسها؛ فالنفط يحتاج إلى المسح والحفر والنقل والتكرير، ومشاريع البناء تحتاج إلى التصميم والمعدات والتمويل، بينما تحتاج المصانع إلى الكهرباء والنقل والمدفوعات، ويحتاج المستثمر إلى البنوك والمحامين والتأمين وإدارة المخاطر.
مخاوف لم تختفِ
يرى خبراء أنه على الرغم من اتساع الفرص، لا تزال الشركات الأميركية تواجه مجموعة من المخاطر والعقبات، في مقدمتها الاستقرار السياسي والأمني، والتعقيدات البيروقراطية، والملفات القانونية والشفافية المالية.
فالشركات الكبرى تحتاج إلى قواعد واضحة وقابلة للتوقع، وإجراءات شفافة، وقدرة على تحويل الأموال، وحماية العاملين والمنشآت، وضمان تنفيذ العقود واستمرارية المشاريع.
الاقتصاد والسياسة
يتزامن الانفتاح الاقتصادي مع تحول أوسع في العلاقات السورية-الأميركية، ما يجعل الاستثمار جزءاً من المسار السياسي والاقتصادي بين البلدين.
وفي المقابل، تحتاج سوريا إلى اختيار شركائها الاقتصاديين ضمن حسابات تتجاوز حجم رأس المال، لتشمل طبيعة العلاقات طويلة الأجل والقدرة على بناء شراكات مستقرة.
وبذلك، فإن وصول نحو 50 شركة أميركية إلى دمشق لا يعني تلقائياً تحول الاهتمام إلى استثمارات منفذة، لكنه يمثل انتقالاً من مرحلة القيود الواسعة إلى مرحلة اختبار حقيقية للسوق وقدرتها على جذب رؤوس الأموال.
الاختبار الحقيقي
وفقاً لخبراء، لن يكون عدد الشركات المشاركة وحده معيار نجاح هذه الخطوة، بل ما سيأتي بعدها: اجتماعات متخصصة، ودراسات جدوى، واتفاقات ومذكرات تفاهم، ثم عقود واستثمارات ومشاريع تبدأ العمل فعلياً على الأرض.
وتعتزم الشركات متابعة اتصالاتها مع الوزارات والجهات السورية المختصة، فيما يجري بحث إمكانية تحويل اللقاءات الاقتصادية إلى فعالية دورية.
وبينما تكشف قائمة المشاركين عن اتساع الاهتمام الأميركي بالسوق السورية، يبقى الفارق كبيراً بين استكشاف الفرص وتحويلها إلى رأس مال ومشاريع منتجة.