تتجاوز تداعيات التفجيرات التي شهدتها تلة علي الطاهر في جنوب لبنان حدود المشهد العسكري، لتطرح أسئلة بشأن ما قد تتركه هذه العملية في البيئة المحيطة على المدى البعيد. وبينما تظهر آثار الدمار بصورة مباشرة، تبقى احتمالات تلوث التربة والمياه وتأثر الغطاء النباتي والتغيرات التي طرأت على طبيعة الأرض بحاجة إلى فحوص ميدانية تحدد حجمها الفعلي.
أقرا أيضاً:لبنان يرفع سعر ربطة الخبز 5 آلاف ليرة
شهدت التلة في 10 أيلول سلسلة انفجارات ضخمة قالت إسرائيل إنها استهدفت شبكة أنفاق لـ«حزب الله» تمتد لنحو كيلومترين، وتضم منشآت للقيادة وتخزين الأسلحة ومواقع تحت الأرض. وقدرت تقارير كمية المتفجرات المستخدمة بنحو 1100 طن، فيما سجلت المنطقة موجات أرضية مشابهة لهزة تراوحت تقديرات قوتها بين 4.1 و4.2 درجة.
تكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة بسبب الموقع الجغرافي للتلة، الواقعة ضمن نطاق طبيعي وزراعي وعمراني يضم كفرتبنيت والنبطية الفوقا وزوطر ومناطق أخرى، فضلًا عن تعرض المنطقة خلال الأشهر الماضية للقصف والحرائق والدمار، ما يضيف مصادر متعددة محتملة للتلوث.
أقرا أيضاً:ريفي يروي تفاصيل سجاله مع نواب حزب الله
الهواء.. الأثر الأول للتفجير
تتأثر جودة الهواء مباشرة بالانفجارات الكبيرة نتيجة تصاعد الغبار والجسيمات الدقيقة الناجمة عن تفكك الصخور والتربة والخرسانة والمعادن. ويمكن لنواتج احتراق المتفجرات والمواد الموجودة داخل المنشآت المستهدفة أن تضيف مركبات أخرى إلى الغلاف الجوي.
ترتفع احتمالات التلوث إذا كانت المواقع المستهدفة تضم ذخائر أو وقودًا أو مواد قابلة للاحتراق، إلا أن وجود خطر محتمل لا يعني ثبوت تلوث محدد في هواء النبطية. ولا تتوافر حتى الآن نتائج منشورة لمسح مخبري شامل يحدد تركيز المعادن الثقيلة أو المركبات الناتجة عن التفجير.
يتطلب تحديد التأثير الفعلي جمع عينات من الهواء والغبار وتحليلها، إلى جانب فحص التربة والمياه في الموقع والمناطق المحيطة.
التربة.. آثار قد تستمر بعد زوال الدخان
قد تبقى بعض مخلفات المواد المتفجرة والذخائر والمعادن داخل التربة بعد انتهاء التفجير، خصوصًا في المواقع التي تعرضت لتدمير منشآت عسكرية أو حرائق وعمليات قصف متكررة.
أشارت مراجعة علمية منشورة عام 2026 إلى إمكانية بقاء مركبات متفجرة مثل TNT وRDX وHMX في التربة المتأثرة بالحروب، مع إمكانية انتقال بعضها عبر الوسط البيئي ووصوله إلى المياه الجوفية أو النباتات وفق طبيعة المركب والتربة.
يفرض ذلك أخذ عينات من موقع التفجير ومحيطه، ومن الأراضي الزراعية والمناطق المتضررة بالحرائق، فضلًا عن فحص الرواسب التي يمكن أن تنقلها مياه الأمطار. وينبغي أن تشمل التحاليل بقايا المتفجرات ومشتقاتها والمعادن الثقيلة والمواد المرتبطة باحتراق الوقود والزيوت والبلاستيك والمكونات الإلكترونية.
المياه الجوفية.. مسار محتمل للملوثات
يمكن لبعض المواد الموجودة في التربة أن تنتقل مع مياه الأمطار إلى طبقات أعمق أو تصل إلى المياه الجوفية والمجاري السطحية. وتختلف سرعة الانتقال ومداه بحسب خصائص المادة وطبيعة الصخور والتربة ومعدلات تسرب المياه.
تكتسب مراقبة الآبار والينابيع والمياه السطحية أهمية خاصة بعد هطول الأمطار، إذ تساعد العينات المتكررة على تحديد ما إذا كانت هناك مواد ملوثة تتحرك من موقع التفجير نحو المناطق المحيطة. لذلك لا تكفي عينة واحدة لتقييم الوضع البيئي بصورة دقيقة.
النبطية.. أضرار متراكمة ومصادر متعددة
تعرضت النبطية الفوقا ومناطق محيطة بها خلال الفترة الماضية لضربات وحرائق وأعمال تدمير خلفت أضرارًا في الأبنية والطرق والمنشآت والمساحات الخضراء، وفق معطيات استندت إلى مقارنة صور فضائية بين شباط وحزيران 2026.
تضم البيئة المتضررة حاليًا أنقاضًا ومعادن وزيوت ووقودًا ومخلفات ذخائر وتربة مكشوفة، إلى جانب احتمال وجود ذخائر غير منفجرة. ويجعل هذا التراكم عملية تحديد مصدر أي تلوث محتمل أكثر تعقيدًا، لأن الأثر البيئي قد ينتج عن مجموعة عوامل وليس عن تفجير علي الطاهر وحده.
الركام.. مخاطر تتطلب فرزًا وفحصًا
لا يقتصر ركام الأبنية والمنشآت المدمرة على الحجارة والباطون، إذ قد يحتوي على معادن وأسلاك وزجاج ودهانات وبلاستيك وعوازل وأجهزة كهربائية وبطاريات وزيوت، إضافة إلى مواد خطرة محتملة ومخلفات ذخائر.
يؤدي نقل هذا الركام دون فحص وفرز إلى احتمال انتشار الملوثات في مواقع أخرى، خصوصًا إذا استُخدم في الردم أو نُقل إلى مكبات غير مجهزة. لذلك ينبغي تحديد طبيعة المواد قبل إزالتها، وفصل العناصر الخطرة ومعالجتها وفق المعايير البيئية المعتمدة.
الزراعة والغطاء النباتي
تضررت مساحات خضراء بفعل الحرائق والعمليات العسكرية، فيما يؤدي فقدان الأشجار والشجيرات إلى تغيير خصائص التربة وزيادة تعرضها للانجراف بفعل الأمطار والرياح.
قد تزداد المخاطر إذا ترافق احتراق الغطاء النباتي مع ترسبات ناتجة عن المتفجرات أو المعادن أو الوقود. وفي هذه الحالة، تصبح فحوص التربة والمياه والمحاصيل ضرورية قبل استئناف النشاط الزراعي أو تسويق المنتجات من المناطق الأكثر تضررًا.
التنوع الحيوي وتغير تضاريس الأرض
لا تقتصر آثار التفجيرات والحرائق على المكونات غير الحية للبيئة، إذ يمكن للضوضاء والحركة العسكرية وتدمير الأشجار أن تؤثر في الحيوانات البرية وموائلها.
يحتاج الموقع كذلك إلى تقييم التغيرات التي طرأت على شكل الأرض، بما في ذلك الحفر والردم والانهيارات الصخرية وتبدل مسارات تصريف مياه الأمطار. وقد تترك هذه التغيرات آثارًا على النظام البيئي المحلي حتى في حال عدم ثبوت تلوث كيميائي.
الذخائر غير المنفجرة.. خطر مزدوج
تشكّل الذخائر التي لم تنفجر تحديًا أمنيًا وبيئيًا في الوقت نفسه. ويكتسب الأمر أهمية في لبنان الذي واجه بعد حرب 2006 انتشارًا واسعًا للذخائر العنقودية غير المنفجرة.
يفرض ذلك إجراء مسح متخصص قبل تنفيذ أي أعمال حفر أو إزالة للركام أو فتح طرق في محيط التلة. فالذخائر المتبقية قد تعرض السكان والعاملين للخطر، كما يمكن أن تصبح مصدرًا لمواد ملوثة مع مرور الوقت أو عند التعامل معها بصورة غير آمنة.
ما المطلوب قبل إعادة تأهيل الموقع؟
تحتاج المنطقة إلى مسح بيئي مستقل يجمع بين الفحوص المخبرية والرصد الميداني، بدءًا من عينات الهواء والغبار والتربة، وصولًا إلى تحليل الآبار والينابيع والمياه السطحية.
يشمل التقييم أيضًا البحث عن بقايا المتفجرات والمعادن الثقيلة، ورصد تغير الغطاء النباتي والتضاريس عبر صور الأقمار الصناعية، وفحص المحاصيل في المناطق المتأثرة، إلى جانب إجراء مسح للذخائر غير المنفجرة قبل أي عملية حفر.
تتطلب إدارة الركام فرز المواد وفحصها ومنع نقلها عشوائيًا، مع إنشاء قاعدة بيانات لنتائج التحاليل وإتاحة المعلومات للسكان والجهات المعنية. كما تبرز أهمية متابعة الموقع بعد مواسم الأمطار لرصد أي انتقال محتمل للملوثات.
مخاوف جيولوجية مرتبطة بحجم التفجير
أثارت كمية المتفجرات المستخدمة وموقع التلة بالقرب من فوالق جيولوجية مخاوف بشأن التأثيرات الأرضية للعملية. وقالت وزيرة البيئة تمارا الزين إن بيانات المركز الوطني للجيوفيزياء أظهرت موجات أرضية مشابهة لهزة بقوة 4.2 درجة، مشيرة إلى أن الموقع يقع على بعد نحو كيلومتر واحد من فالق روم ونحو سبعة كيلومترات من فالق اليمونة.
لا تثبت هذه المعطيات وحدها حدوث نشاط زلزالي مستقبلي أو تحرك الفوالق، لكنها توفر سببًا لإخضاع المنطقة للرصد الجيولوجي، خصوصًا في ضوء حجم التفجير وقربه من تلك التكوينات الجيولوجية.
هل تتحول التداعيات إلى مشكلة بيئية طويلة الأمد؟
لا تسمح البيانات المتاحة حاليًا بالجزم بحدوث تلوث في مياه النبطية أو تربتها نتيجة تفجيرات علي الطاهر، في ظل غياب نتائج مخبرية منشورة تثبت وجود مواد محددة وتركيزاتها.
لكن حجم العملية العسكرية وتعدد مصادر الضرر في محيط النبطية يجعلان إجراء تقييم بيئي شامل أمرًا ملحًا. فآثار الانفجار المرئية قد تتراجع خلال وقت قصير، بينما يمكن لبعض الملوثات المحتملة أن تستقر في التربة أو تنتقل إلى المياه لفترات أطول.
لهذا، يبقى تحديد التداعيات الفعلية مرتبطًا بالتحاليل الميدانية والمراقبة المستمرة، لا بالتقديرات وحدها، بما يسمح برصد أي تلوث محتمل قبل أن يتحول إلى خطر على السكان والزراعة والمياه والنظام البيئي في المنطقة.