سوريا تلغي محكمة الإرهاب وتفتح ملف الأحكام والمصادرات

2026.09.16 - 18:05
Facebook Share
طباعة

أصدر مجلس الشعب السوري، الأربعاء، قرارًا بإلغاء محكمة قضايا الإرهاب وجميع مفاعيلها، خلال دورته الاستثنائية المنعقدة ضمن الدور التشريعي الأول، في خطوة تضع حدًا لعمل إحدى أبرز المؤسسات القضائية التي أنشأها نظام بشار الأسد خلال سنوات الثورة.

أقرا أيضاً:بعد عام من الاعتقال إسرائيل تفرج عن قنيطري


ووصف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني القرار بأنه «تاريخي»، معتبرًا أن قيمته الحقيقية لا تتوقف عند إنهاء وجود المحكمة، وإنما ترتبط بمدى إزالة آثار أحكامها من حياة المتضررين ورد الحقوق التي سُلبت منهم.

محكمة أُنشئت عام 2012

 

أُسست محكمة قضايا الإرهاب بموجب مرسوم جمهوري أصدره بشار الأسد عام 2012، للنظر في جرائم الإرهاب ومحاسبة مرتكبيها.

وجاء إنشاؤها بديلًا لمحكمة أمن الدولة التي استخدمت لعقود في معاقبة معارضي النظام، قبل أن تتحول المؤسسة الجديدة خلال سنوات الثورة إلى أداة لملاحقة السوريين المعارضين لحكم الأسد، وفق ما وثقته منظمات حقوقية.

 

 

ارتبط عملها بأحكام ذات طابع أمني وسياسي، إلى جانب قرارات حجز ومصادرة طالت ممتلكات آلاف السوريين، ما وسّع نطاق آثارها من العقوبات الجزائية إلى الجوانب المالية والإدارية.

انتقادات لإجراءات التقاضي

 

وفي حديثه إلى «سوريا الآن»، وصف عبد الغني المحكمة بأنها مؤسسة استثنائية ذات طبيعة سياسية وأمنية، وليست محكمة عادية شاب عملها بعض الخلل الإجرائي.

 

وتنص المادة السابعة من قانون إنشائها على عدم التقيد بالأصول المنصوص عليها في التشريعات النافذة خلال مراحل الملاحقة والمحاكمة.

ووفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اعتمدت المحكمة على الضبوط الأمنية والاعترافات التي قالت إنها انتُزعت تحت التعذيب، إلى جانب تقييد حق الدفاع وعدم نشر الأحكام والمعايير القضائية المتبعة.

 

أكثر من 10 آلاف شخص وعشرات آلاف القضايا

بحسب آخر تقرير متخصص أصدرته الشبكة بشأن المحكمة في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2020، بلغ عدد الأشخاص الذين ظلوا خاضعين لها ما لا يقل عن 10767 شخصًا، فيما قُدر عدد القضايا التي نظرت فيها بنحو 90560 قضية.


أقرا أيضاً:ابن قاصر يخطط لقتل والده في السويداء

 

كما وثقت الشبكة حتى ذلك التاريخ 3970 حالة حجز على الممتلكات.

وتبقى هذه الأرقام مرتبطة بتاريخ توثيقها، ولا تمثل إحصاءً راهنًا لعام 2026، وفق توضيح عبد الغني.

أما على مستوى منظومة الحجز والمصادرة الأوسع، فقد وثقت الشبكة في تقرير لاحق ما لا يقل عن 40602 قرار حجز ومصادرة طالت نحو 320 ألف مواطن بين عامي 2012 و2024.

ولا تنحصر هذه الأرقام في محكمة قضايا الإرهاب وحدها، بل تتعلق بمنظومة السلب القانوني والأمني الأوسع التي انتهجها النظام السابق.

 

إلغاء المحكمة لا يمحو نتائج أحكامها

 

يفصل عبد الغني بين إنهاء وجود المحكمة وبين إلغاء النتائج القانونية المترتبة على قراراتها.

فإلغاء القانون رقم 22 لعام 2012، الذي أُنشئت بموجبه محكمة قضايا الإرهاب، ينهي الأساس القانوني لوجودها واختصاصها مستقبلًا، لكنه لا يؤدي تلقائيًا إلى محو الإدانات من السجلات العدلية، أو إسقاط مذكرات البحث وقرارات منع السفر، أو إعادة الممتلكات المصادرة.

وتتطلب المعالجة، وفق هذا التصور، إزالة الإدانات وجميع الآثار الجزائية والإدارية والمالية المترتبة عليها، بدل الاكتفاء بوقف تنفيذ العقوبات.

 

تصحيح السجلات وإلغاء القيود

 

تشمل المطالب أيضًا إنهاء احتجاز كل شخص يستند احتجازه حصريًا إلى حكم أو مذكرة صادرة عن المحكمة، وتصحيح السجلات العدلية والوظيفية والتقاعدية، وإلغاء القيود الأمنية.

كما يبرز حق الورثة وذوي المتوفين والمختفين قسريًا في طلب إبطال الأحكام واستعادة الحقوق، إلى جانب إنشاء مسار مستقل للتعويض وإعادة التأهيل ورد الاعتبار عندما يتعذر رد الحق نفسه أو لا يكون ذلك كافيًا لجبر الضرر.

 

مراجعة جماعية بدل الطعون الفردية

 

يرى عبد الغني أن مجلس القضاء الأعلى يمكنه إدارة هذه العملية عبر آلية جماعية ومنظمة، بدل دفع آلاف المتضررين إلى خوض طعون فردية معقدة لإثبات تعرضهم لمحاكمات جائرة.

وتكتسب قرينة الإبطال أهمية خاصة، بحسب طرحه، في الملفات المرتبطة بالممارسة السلمية لحرية التعبير والتجمع والعمل الإعلامي والحقوقي والإغاثي والطبي، فضلًا عن القضايا القائمة على صلة القرابة أو الانتماء المفترض أو الاعترافات الأمنية المنتزعة بالإكراه.

 

القضايا الجنائية تحتاج إلى أدلة جديدة

 

لا يمنع إبطال أحكام محكمة الإرهاب، في القضايا التي تتضمن ادعاءات بالقتل أو التفجير أو الاعتداء على المدنيين، إجراء تحقيق جديد إذا توافرت أدلة مستقلة ومشروعة.

لكن إعادة الملاحقة، وفق عبد الغني، لا ينبغي أن تستند تلقائيًا إلى قرارات الاتهام السابقة أو الضبوط الأمنية أو استنتاجات المحكمة الملغاة.

 

كما يجب استبعاد أي قول يثبت انتزاعه تحت التعذيب، تطبيقًا للمادة 15 من اتفاقية مناهضة التعذيب، باستثناء استخدامه دليلًا ضد المسؤول عن التعذيب.

الممتلكات المصادرة.. ملف أكثر تعقيدًا

 

لا يعني رفع الحجز الاحتياطي بالضرورة إعادة الممتلكات إلى أصحابها، بحسب عبد الغني، إذ قد تكون العقارات أو الأموال قد انتقلت إلى الدولة أو أطراف أخرى، أو بيعت أكثر من مرة، أو هُدمت، أو تغير وصفها العقاري.

 

وتطرح المعالجة المقترحة إعادة الملكية عينًا بوصفها الأصل متى كان ذلك ممكنًا، مع وقف التصرف في الأموال المتنازع عليها، وضمان حق الأطراف الثالثة في السماع والطعن.

وفي الحالات التي يتعذر فيها رد الممتلكات، يصبح التعويض العادل أحد المسارات المطروحة لجبر الضرر.

 

أرشيف المحكمة ودوره في المساءلة

 

يشكل أرشيف المحكمة والنيابة التابعة لها جزءًا أساسيًا من الملف، لذلك يطالب عبد الغني بالحفاظ عليه وعدم إتلافه بعد إبطال الأحكام.

 

وقد تتضمن هذه الوثائق أدلة على التعذيب والاختفاء القسري والابتزاز والمصادرة المنظمة، الأمر الذي يمنحها أهمية في عمليات التوثيق والمساءلة المستقبلية.

أما مساءلة القضاة والمدعين العامين والموظفين الأمنيين، فينبغي أن تقوم على المسؤولية الفردية والأدلة المتعلقة بسلوك كل شخص ومدى علمه وقصده، لا على مجرد الانتساب الوظيفي.

 

قانون مكافحة الإرهاب أمام المراجعة

 

لا يعني إلغاء محكمة قضايا الإرهاب انتهاء كامل المنظومة القانونية التي ارتبطت بها، إذ لا يزال قانون مكافحة الإرهاب رقم 19 لعام 2012 قائمًا.

ويشير عبد الغني إلى أن إلغاء المحكمة المنشأة بالقانون رقم 22 لا يؤدي تلقائيًا إلى إلغاء القانون رقم 19 أو تعديل تعريفاته وعقوباته وآثاره المالية.

 

وفي حال عدم مراجعة هذا التشريع بما ينسجم مع مبدأ الشرعية وحرية التعبير والتجمع وضمانات المحاكمة العادلة، فقد يعاد إنتاج المنطق الاستثنائي أمام القضاء العادي، وفق تحذيره.

 

خطوات بدأت بعد سقوط الأسد

 

بدأ التعامل مع إرث المحكمة قبل قرار مجلس الشعب الأخير، إذ ألغت المادة 48 من الإعلان الدستوري في سوريا «مفاعيل الأحكام الجائرة الصادرة عن محكمة الإرهاب التي استُخدمت لقمع الشعب السوري»، بما في ذلك رد الممتلكات المصادرة.

وفي يونيو/حزيران 2025، أعلنت وزارة العدل السورية المرسوم الرئاسي رقم 88 لعام 2025، القاضي بتنفيذ عقوبة العزل بحق 67 قاضيًا ممن عملوا سابقًا في محاكم قضايا الإرهاب الملغاة.

وجاء الإجراء استنادًا إلى قرار مجلس القضاء الأعلى، عقب انتهاء تحقيقات التفتيش القضائي الإدارية والمسلكية.

 

وذكرت وزارة العدل حينها أن التحقيقات والمحاكمات المسلكية أثبتت أن عمل القضاة المعزولين في تلك المحاكم الاستثنائية، التي أُحدثت لقمع الثورة، أسهم عمليًا في تعزيز القبضة الأمنية بحق المواطنين، ونتج عنه حرمانهم حقوقهم وحرياتهم، فضلًا عن إلحاق أضرار فادحة بعائلاتهم وأموالهم.

 

شكاوى المتضررين أمام القضاء

 

في 10 أغسطس/آب 2025، فتحت وزارة العدل السورية الباب أمام المواطنين الذين تعرضوا للظلم أو الابتزاز نتيجة أعمال قضاة محكمة الإرهاب لتقديم شكاواهم.

وتضمنت الدعوة تقديم المعلومات أو الأدلة المتوافرة، مع إمكانية الاستماع إلى أصحابها كشهود للحق العام أمام قاضي التحقيق في محكمة النقض.

 

الاختبار الحقيقي بعد الإلغاء

 

يضع القرار السوري نهاية قانونية لعمل محكمة قضايا الإرهاب، لكنه يفتح في الوقت نفسه ملفًا واسعًا يتعلق بمصير الأحكام والقيود والمصادرات التي خلفتها سنوات عملها.

وتتمثل الخطوة التالية في كيفية معالجة الإدانات والقيود الأمنية والسجلات الرسمية، إلى جانب إعادة الممتلكات أو التعويض عنها، ومراجعة الملفات التي استندت إلى أدلة غير مشروعة.

 

وبحسب عبد الغني، فإن نجاح القرار لن يقاس بإلغاء المحكمة وحده، بل بمدى تحوله إلى إجراءات عملية تعيد الحقوق والحريات والاعتبار إلى المتضررين، مع الحفاظ على الأدلة التي يمكن أن تسهم في كشف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى

أبرز العناوين ذات الصلة:


سوريا محكمة الإرهاب مجلس الشعب السوري القانون رقم 22 لعام 2012 قانون مكافحة الإرهاب القانون رقم 19 لعام 2012 فضل عبد الغني الشبكة السورية لحقوق الإنسان وزارة العدل السورية مجلس القضاء الأعلى الإعلان الدستوري السوري الأحكام الجائرة ضحايا محكمة الإرهاب الاحتجاز الاختفاء القسري التعذيب مصادرة الممتلكات الحجز الاحتياطي رد الحقوق التعويض رد الاعتبار حرية التعبير حرية التجمع المحاكم الاستثنائية القضاء السوري العدالة الانتقالية حقوق الإنسان سقوط نظام الأسد سوريا 2026

اضافة تعليق
* اكتب ناتج 2 + 6