الفضاء يتحول إلى ساحة مواجهة بين واشنطن وبكين وموسكو

2026.09.16 - 11:16
Facebook Share
طباعة

 لم يعد التنافس العسكري بين القوى الكبرى محصوراً في البر والبحر والجو، بعدما كشفت الولايات المتحدة عن امتلاكها قدرات تسليحية موجودة في مدار الأرض، في إعلان يفتح الباب أمام مرحلة أكثر وضوحاً من عسكرة الفضاء، فيما لا تزال طبيعة هذه الأسلحة وتوقيت نشرها غير معلنين.

وجاء الكشف على لسان وزير القوات الجوية الأمريكية تروي مينك، خلال مؤتمر سنوي للقوات الجوية والفضائية والسيبرانية في ولاية ماريلاند، حيث أكد أن واشنطن تمتلك الآن أسلحة للسيطرة على الفضاء بهدف حماية القوات الأمريكية ومواجهة ما تصفه بالتهديدات المتطورة.

ورغم الطابع الرسمي للإعلان، لم يقدم مينك تفاصيل عن نوع الأسلحة أو عددها أو المواقع التي تنتشر فيها، كما لم يكشف موعد وضعها في المدار، ما أبقى الجزء الأكبر من البرنامج العسكري الفضائي الأمريكي خارج نطاق المعلومات العلنية.

 

قدرات هجومية خلف المبررات الدفاعية

قدمت واشنطن الخطوة باعتبارها جزءاً من حماية قواتها وأقمارها الصناعية، لكن المعلومات التي نقلتها صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤول أمريكي تشير إلى أن القدرات المشار إليها قد تتضمن إمكانات لتعطيل أقمار صناعية تابعة لخصوم الولايات المتحدة في حال تعرض القوات أو الأصول الفضائية الأمريكية لهجوم.

وبحسب المسؤول، فإن هذه القدرات لا تقتصر على حماية الأقمار الصناعية الأمريكية، وإنما يمكن أن تستخدم ضد أصول فضائية للخصوم، من خلال تعطيلها أو التشويش عليها.

وتشمل القدرات، وفق المصدر نفسه، وسائل حركية تعتمد على الاستهداف المباشر أو الاصطدام، وأخرى غير حركية يمكن أن تستخدم التشويش أو التأثيرات الكهرومغناطيسية أو تقنيات الليزر.

لكن طبيعة هذه الوسائل وقدراتها الفعلية ومدى انتشارها تبقى غير معروفة بصورة علنية، وهو ما يجعل الإعلان الأمريكي أوسع من التفاصيل التي رافقته.

 

أقرا أيضاً:السيسي وبن سلمان يبحثان تداعيات التصعيد على الملاحة


لماذا تكشف واشنطن الآن؟

يأتي الإعلان في وقت تتعامل فيه الولايات المتحدة مع الفضاء باعتباره عنصراً أساسياً في أي مواجهة عسكرية مستقبلية، نظراً إلى اعتماد الجيوش الحديثة على الأقمار الصناعية في الاتصالات والملاحة والاستطلاع والإنذار المبكر.

وكانت واشنطن قد أنشأت قوة الفضاء عام 2019 ضمن وزارة القوات الجوية، في خطوة عكست انتقال التعامل مع المدار من ملف تقني واستراتيجي إلى مكون مستقل في التخطيط العسكري.

وفي السنوات الأخيرة، اتهم مسؤولون أمريكيون الصين وروسيا بتطوير قدرات يمكن استخدامها ضد الأقمار الصناعية، معتبرين أن بعض التحركات والتجارب الفضائية في البلدين قد تكون مرتبطة بالاستعداد لصراعات مستقبلية.

وتقول واشنطن إن روسيا أجرت تدريبات مرتبطة بمناورة مجموعات من الأقمار الصناعية، بينما تتحدث عن تطوير الصين تقنيات قادرة على العمل في مدار جزئي وحمل أسلحة، وهي اتهامات ترفضها بكين وموسكو ضمنياً من خلال تحذيراتهما المتكررة من عسكرة الفضاء.

 

أقرا أيضاً:الحرب تحاصر السودان.. 20 مليون شخص يواجهون الجوع


«القبة الذهبية» وجه آخر للمشروع

ويتزامن التوجه نحو تعزيز القدرات الفضائية مع مشروع أمريكي آخر يتمثل في تطوير منظومة دفاع صاروخي واسعة النطاق تعرف باسم «القبة الذهبية».

وكان الرئيس دونالد ترمب قد وضع تعزيز القدرات الأمريكية في الفضاء والدفاع الصاروخي ضمن أولوياته، ووقع في ديسمبر/كانون الأول الماضي أمراً تنفيذياً ركز على تطوير تقنيات دفاعية من الجيل المقبل والحفاظ على التفوق الأمريكي في الفضاء.

وتسعى واشنطن، من خلال المشروع، إلى إنشاء شبكة دفاعية قادرة على مواجهة تهديدات صاروخية قادمة من مسافات بعيدة، بينما بقيت تفاصيل المشروع ومراحله التنفيذية محل تكتم نسبي.

وأعلن ترمب رغبته في إنجاز المنظومة بحلول عام 2028، فيما أفادت تقارير إعلامية أمريكية بأن وزارة الدفاع حددت موعداً لاختبار رئيسي للبرنامج قبل انتخابات ذلك العام.

وبذلك تتقاطع منظومتان في الرؤية العسكرية الأمريكية: حماية الأصول والقوات الموجودة في الفضاء، وتعزيز القدرة على اعتراض الأسلحة القادمة من خارجه أو عبره.

 

الصين وروسيا تحذران من عسكرة المدار

وأثار الإعلان الأمريكي ردود فعل من بكين وموسكو، اللتين حذرتا من تحويل الفضاء إلى ساحة إضافية للصراع العسكري.

ودعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية غوو جياكون الولايات المتحدة إلى وقف توسيع قدراتها العسكرية والاستعداد للحرب في الفضاء، محذراً من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى سباق تسلح في المدار.

وفي موسكو، قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف إن بلاده ترى ضرورة بقاء الفضاء خالياً من الأسلحة، داعياً إلى مواصلة الجهود الدولية المتعلقة بنزع السلاح الفضائي.

وتضع هذه المواقف الإعلان الأمريكي ضمن تنافس أوسع، لا يتعلق فقط بامتلاك الأقمار الصناعية، وإنما بامتلاك وسائل قادرة على حمايتها أو تعطيل أصول الخصوم خلال أي مواجهة محتملة.

 

معاهدة عمرها عقود وحدود غير محسومة

وتضيف القواعد الدولية طبقة أخرى إلى هذا الملف، إذ تحظر معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 وضع الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل في مدار الأرض، لكنها لا تتضمن حظراً صريحاً على جميع الأسلحة التقليدية في الفضاء.

كما لا تمنع المعاهدة بصورة مباشرة استخدام بعض الأسلحة الأرضية ضد أهداف موجودة في الفضاء، ما يترك مساحة قانونية للنقاش بشأن حدود الأنشطة العسكرية التي يمكن تنفيذها في المدار.

وهنا تكمن إحدى أبرز نتائج الإعلان الأمريكي: فواشنطن لم تعلن فقط امتلاك وسائل للدفاع عن قواتها وأقمارها، بل فتحت، من خلال اعترافها الرسمي، نقاشاً حول طبيعة الأسلحة التي يمكن نشرها في الفضاء وحدود استخدامها.

ومع استمرار الولايات المتحدة والصين وروسيا في تطوير قدراتها الفضائية، يبدو أن المدار بات جزءاً متزايد الأهمية من حسابات الردع والصراع العسكري، بينما لا تزال القواعد الدولية القائمة أقدم من معظم التقنيات التي يجري تطويرها اليوم.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 4