لا تسير حركة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب بالوتيرة نفسها، رغم تزامن التطورات العسكرية في المنطقتين. ففي الوقت الذي تظهر فيه بيانات الرصد البحري تراجعاً في أعداد السفن العابرة لمضيق هرمز، لم تسجل حركة المرور في باب المندب انخفاضاً مماثلاً حتى الآن، رغم التطورات الميدانية المتسارعة على الساحل الغربي لليمن وسيطرة جماعة أنصار الله على جزيرة ميون.
وتكشف هذه المفارقة أن تأثير التوترات البحرية لا يرتبط بالضرورة بحجم التطور العسكري وحده، بل أيضاً بطبيعة المخاطر التي تواجه السفن، ومدى استمرارها، وقدرة شركات الشحن على تقييم مساراتها البديلة.
هرمز يسجل تراجعاً في العبور
في مضيق هرمز، أظهرت بيانات ملاحية رُصدت في 15 أيلول/سبتمبر عبور ثلاث سفن فقط، مقارنة بخمس سفن في اليوم السابق. وشملت الحركة ناقلة للغاز المسال وسفينتي شحن، إحداهما ترفع العلم الإيراني.
وتبقى أرقام التتبع البحري غير مكتملة بالضرورة، إذ تعتمد على السفن التي تواصل تشغيل أنظمة التعرف الآلي، بينما يمكن أن تغيب سفن أخرى عن بيانات الرصد بعد إيقاف أجهزة الإرسال الخاصة بها.
لكن تراجع أعداد السفن يتزامن مع سلسلة حوادث بحرية رفعت مستوى المخاطر في المضيق. فقد تلقت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بلاغاً عن تعرض سفينة لضربة بمقذوف مساء 14 أيلول/سبتمبر، من دون ورود معلومات عن أضرار أو تأثيرات بيئية، بينما باشرت السلطات التحقيق في الحادث.
كما شهدت الأيام الماضية روايات متباينة بشأن حوادث أخرى. ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن الحرس الثوري أن ناقلة نفط تعرضت لانفجار واشتعال بعد اصطدامها بألغام في منطقة وُصفت بأنها محظورة، في حين قدمت القيادة المركزية الأمريكية رواية مختلفة بشأن الناقلة «إلغايا»، قائلة إنها تعرضت في الشهر السابق لصاروخ إيراني ثم لهجوم بطائرة مسيّرة.
وفي حادث منفصل، قالت المنظمة البحرية الدولية إن ناقلة أخرى تعرضت لأضرار يوم السبت، مع فقدان اثنين من أفراد طاقمها، من دون تحديد سبب الأضرار.
اقرأ أيضا:
الكونغرس يصعّد ضد هيغسيث بسبب الحرب على إيران
عُمان تسحب ناقلة نفط مستهدفة وتبحث عن مفقودين
باب المندب لا يعكس الاتجاه نفسه
على الجانب الآخر، لم تظهر بيانات حركة السفن عبر باب المندب حتى صباح 15 أيلول/سبتمبر مؤشرات على تراجع مماثل، رغم التطورات العسكرية الأخيرة.
فمنذ 11 أيلول/سبتمبر، تاريخ إعلان السيطرة على جزيرة ميون، وحتى صباح 15 منه، سجلت بيانات التتبع عبور 159 سفينة في الاتجاهين. ويشمل الرقم السفن التي أبقت أجهزة التعرف الآلي قيد التشغيل، ولا يغطي تلك التي أوقفت أنظمة التتبع.
واللافت أن حركة العبور في 14 أيلول/سبتمبر بلغت 46 سفينة، وهو ثاني أعلى معدل يومي منذ بداية الشهر، مقارنة بنحو 38 سفينة كمعدل يومي محسوب منذ مطلع أيلول/سبتمبر.
كما لم تظهر ناقلات النفط ابتعاداً واضحاً عن المضيق خلال الفترة نفسها؛ إذ بلغ عددها 45 ناقلة من أصل 159 سفينة، مقابل 112 سفينة شحن. وكانت السفن التي تديرها شركات مقرها الصين صاحبة الحصة الأكبر بين السفن المرصودة، بواقع 37 سفينة.
وبهذه الأرقام، لا تبدو سيطرة أنصار الله على ميون قد انعكست حتى الآن على حجم العبور التجاري عبر باب المندب، وإن كان استمرار التطورات العسكرية قد يغير حسابات شركات النقل والتأمين إذا تحولت المخاطر إلى نمط متكرر.
لماذا تكتسب ميون كل هذه الأهمية؟
تقع جزيرة ميون، المعروفة أيضاً باسم بريم، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتتموضع بين مساري الملاحة في باب المندب. ويمنحها هذا الموقع أهمية عسكرية وجغرافية، نظراً لإشرافها على الممرات البحرية التي تصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب.
ولا تكمن أهمية الجزيرة في مساحتها، بل في موقعها داخل أحد أهم الممرات البحرية العالمية. فباب المندب يمثل نقطة اتصال رئيسية أمام حركة التجارة والطاقة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، ومن ثم باتت السيطرة على المواقع المحيطة به جزءاً من الحسابات العسكرية للأطراف المتصارعة.
وجاءت السيطرة على ميون ضمن تقدم ميداني أوسع لأنصار الله على الساحل الغربي، شمل مناطق في محيط ذو باب ومدينة المخا وجزيرة زقر، بالتزامن مع الضغط العسكري على القوات الحكومية الموجودة في جزيرتي حنيش الكبرى والصغرى.
المعادلة البحرية لم تُحسم بعد
المقارنة بين المضيقين تظهر في الوقت الراهن نتيجة مختلفة: هرمز يسجل تراجعاً في حركة العبور بالتزامن مع حوادث بحرية وتوترات متصاعدة، بينما يواصل باب المندب استقبال السفن بمعدلات لم تنخفض بصورة واضحة بعد إعلان السيطرة على ميون.
لكن ثبات حركة الملاحة لا يعني انتهاء المخاطر. فالبيانات تعكس ما حدث حتى الآن، ولا تحسم كيفية تصرف شركات الشحن إذا استمرت الحوادث أو توسعت رقعة التوتر.
وبينما تبدو الملاحة في باب المندب قادرة على الاستمرار في المدى القصير، فإن اتساع نطاق السيطرة العسكرية على المواقع المطلة على المضيق قد يرفع مستوى المخاطر المرتبطة به، خصوصاً إذا انتقلت التطورات من السيطرة الميدانية إلى استهداف فعلي للسفن. عندها فقط قد تتحول السيطرة الجغرافية على نقاط استراتيجية إلى تأثير مباشر في حركة التجارة الدولية.