الفقر يدفع أطفال دير الزور من الصفوف للعمل

محمد الصالح - دير الزور - وكالة أنباء آسيا

2026.09.15 - 14:09
Facebook Share
طباعة

مع انطلاق العام الدراسي 2026-2027، تبدو المدارس في أجزاء من دير الزور أمام تحدٍ يتجاوز قدرتها على استيعاب الطلاب، بعدما دفعت الضغوط المعيشية أعداداً من الأطفال إلى ترك التعليم والانخراط في أعمال شاقة لتأمين احتياجات أسرهم.
ولا تظهر الظاهرة باعتبارها حالات فردية متفرقة، إذ بات الأطفال حاضرين في الأسواق والورش والأراضي الزراعية ومواقع جمع الخردوات، في وقت يفترض أن يكونوا فيه داخل الصفوف الدراسية. ويعكس ذلك تداخل عوامل اقتصادية وتعليمية واجتماعية تجعل استمرار بعض الأطفال في المدارس خياراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى أسر تكافح لتأمين أساسيات الحياة.

اقرأ أيضاً: أزمة المحروقات تضرب أفران الحسكة والخبز أول المتضررين


الفقر يسبق المدرسة إلى البيوت
تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المازوت والأسمدة، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة ومحدودية فرص العمل، فرضت ضغوطاً إضافية على الأسر في ريف دير الزور.
وفي بعض الحالات، لم يعد الدخل المتوافر يسمح بتأمين مستلزمات الدراسة من دفاتر وقرطاسية ونفقات التنقل، فضلاً عن الاحتياجات اليومية الأخرى. ومع تضييق الخيارات أمام العائلات، يتحول دخل الطفل إلى مورد يساعد في سد جزء من العجز، حتى وإن كان الثمن مقعده الدراسي.
وتظهر هذه المعادلة بوضوح في أعمال جمع البلاستيك والخردوات، والعمل في ورش البناء والميكانيك، إضافة إلى الأعمال الزراعية التي يؤديها أطفال في أعمار يفترض أن تكون فيها الدراسة محور حياتهم اليومية.

اقرأ أيضاً: غلاء الوقود يبدّل عادات التنقل ويضغط ميزانية الدمشقيين


أطفال يعملون منذ ساعات الصباح
في ريف دير الزور الغربي، ترك طفل يبلغ 12 عاماً المدرسة قبل عامين، رغم رغبته في مواصلة القراءة والتعلم، بعدما عجزت أسرته عن تحمل تكاليف الدراسة.
وبعد تراجع إنتاج أرض الأسرة وارتفاع كلفة مستلزمات الزراعة، اتجه الطفل إلى جمع البلاستيك والعلب المعدنية من النفايات منذ ساعات الصباح وحتى المساء، ثم بيعها لتأمين مبلغ يساعد أسرته.
وتختصر هذه الحالة جزءاً من المشهد الأوسع، حيث تتحول ساعات الدراسة إلى ساعات عمل، فيما يصبح ما يحصل عليه الطفل من دخل مرتبطاً مباشرة بقدرة أسرته على تأمين الخبز والطعام.


مدارس لا تساعد على بقاء الطلاب
ولا ترتبط أزمة التسرب بالعامل الاقتصادي وحده. فواقع عدد من المدارس في ريف دير الزور يضيف سبباً آخر إلى قائمة العوامل التي تدفع الطلاب بعيداً عن التعليم.
وتعاني بعض المدارس من أضرار في الأبنية ونقص الأبواب والنوافذ والتجهيزات الأساسية، فيما يواجه الطلاب ظروفاً صعبة خلال فصل الشتاء، تصل في بعض الحالات إلى الجلوس على الأرض داخل الصفوف.
ويزيد هذا الواقع من الفجوة بين حاجة الأطفال إلى بيئة تعليمية مستقرة وبين ما توفره بعض المدارس فعلياً، الأمر الذي يجعل الأسرة أمام سؤال أكثر صعوبة: كيف تحافظ على طفل في مدرسة تفتقر إلى مقومات أساسية، بينما تحتاج في الوقت نفسه إلى دخله؟


الآباء أمام خيارات محدودة
وتقول أسر في ريف دير الزور إن الظروف المعيشية دفعت بعض الأطفال إلى سوق العمل، إذ يعمل فتيان في ورش البناء، فيما تشارك فتيات في أعمال زراعية مقابل أجور محدودة.
وفي إحدى القرى، يواجه أب لأربعة أطفال هذه المعادلة بعدما دفعته ظروف الأسرة إلى إرسال ابنه البالغ 13 عاماً للعمل في البناء، بينما تساعد ابنته البالغة 11 عاماً في الأعمال الزراعية.
ولا تعكس هذه القرارات بالضرورة تفضيل الأسر للعمل على التعليم، بقدر ما تكشف محدودية الخيارات المتاحة أمامها في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع الاحتياجات الأساسية.


نقص الطلاب يثير قلق المعلمين
وبالتزامن مع بداية العام الدراسي، يلاحظ مدرسون في ريف دير الزور تراجع أعداد الطلاب في بعض الصفوف، مع ازدياد أعداد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم في عدد من القرى.
كما تواجه الكوادر التعليمية نفسها ضغوطاً اقتصادية، فيما لا تكفي مداخيل بعض العاملين لتغطية نفقات الوصول إلى المدارس البعيدة، ما يضيف تحدياً آخر إلى العملية التعليمية.
ويصبح المشهد أكثر وضوحاً خارج أسوار المدارس، حيث يمكن رؤية أطفال في سن الدراسة وهم يحملون أدوات العمل بدلاً من الحقائب، في انعكاس مباشر لأزمة اقتصادية بدأت تفرض آثارها على مستقبل التعليم.


الخطر يتجاوز عاماً دراسياً
ما يجري في دير الزور لا يمثل أزمة حضور مدرسي فحسب، بل يحمل تداعيات أبعد على جيل كامل. فكل عام يقضيه الطفل خارج المدرسة يزيد احتمالات ابتعاده نهائياً عن التعليم، ويجعل العودة إلى الصفوف أكثر صعوبة.
كما أن اتساع عمالة الأطفال قد يعيد إنتاج دائرة الفقر نفسها، عندما يحرم الأطفال من اكتساب التعليم والمهارات التي يمكن أن تمنحهم فرصاً أفضل في المستقبل.
ولهذا فإن الحد من التسرب لا يبدو ممكناً عبر مطالبة الأسر وحدها بإعادة أطفالها إلى المدارس، بل يحتاج إلى معالجة الظروف التي دفعتهم إلى الخروج منها، من خلال دعم العائلات الأكثر احتياجاً، وتأمين المستلزمات المدرسية، وتحسين واقع المدارس، وإعادة تأهيل الأبنية المتضررة.
فالمشكلة في دير الزور ليست أن الأطفال لا يريدون المدرسة، بل أن الظروف المحيطة بهم تدفع بعضهم إلى اختيار العمل قبل أن تتاح لهم فرصة حقيقية لاختيار مستقبلهم. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 9 + 5