صدام حسين.. خفايا تُروى عن شخصيته للمرة الأولى

2026.09.14 - 18:43
Facebook Share
طباعة

يفتح كتاب جديد نافذة مختلفة على شخصية الرئيس العراقي السابق صدام حسين، مستندًا إلى لقاءات مباشرة معه وشهادات من داخل محيطه السياسي والحزبي، في محاولة لقراءة قراراته وسلوكه من زاوية تتجاوز الحروب والصراعات التي طبعت صورته في الذاكرة السياسية العربية.

أقرا أيضاً:ثلاثة قتلى وسبعة مصابين بضربة روسية شمال أوكرانيا

 

تولى الكاتب سليمان الفرزلي هذه المهمة في كتابه «العراقي الغامض... قراءة متأخرة في عقل صدام حسين»، مستعيدًا لقاءاته بصدام ورحلته معه إلى موسكو، إلى جانب أحاديثه مع عدد من قيادات حزب البعث، وفي مقدمتهم ميشال عفلق الذي وصفه بصاحب الفكر الأساسي للحزب، مشيرًا إلى اعتراف صدام بتأثره به.

 

خلال مقابلة ضمن برنامج «THE HIGHLIGHT» عبر شاشة «RED TV»، أوضح الفرزلي أن إنجاز الكتاب تأخر لأسباب عدة، بينها وثائق وأوراق أميركية قال إنها كشفت هوية من كتب بعض الروايات المرتبطة بصدام، وأظهرت ثغرات في التسلسل التاريخي، مع تأكيده أن بعض المعلومات الواردة فيها صحيحة.

 

التقى الفرزلي صدام حسين مرتين في منزله بعد الحرب، حيث تناولت النقاشات بينهما قضايا فكرية وسياسية، من بينها أسباب الحرب ومطالبته الدول باتخاذ موقف محايد بين العراق وإيران.

طرح الفرزلي خلال إحدى تلك اللقاءات سؤالًا حول طبيعة الحياد الذي كان يريده صدام، وما إذا كان المقصود موقفًا يساعد البلدين معًا أم موقفًا لا ينحاز إلى أي منهما. وبحسب روايته، بدا صدام مرتبكًا أمام السؤال، قبل أن يقول إن من يساعد الطرفين لا تكون نيته صافية.

 

تناول الحديث كذلك القضية الفلسطينية، حين استشهد الفرزلي بموقف ياسر عرفات والفلسطينيين الذين انحازوا، وفق روايته، إلى إيران رغم التحالف السابق مع العراق، متسائلًا عما إذا كان ذلك قد يدفع العراقيين إلى تغيير موقفهم من القضية الفلسطينية.

أجاب صدام، بحسب الفرزلي، بأن هذا الاحتمال كان ممكنًا لولا وجود «المربي»، في إشارة إلى حزب البعث العربي الاشتراكي. ومن هذه الفكرة استمد الفرزلي عنوان فصل كامل في كتابه، تناول فيه جوانب من مشروع صدام لتغيير المجتمع.

 

أقرا أيضاً:السودان يتهم إثيوبيا باستغلال الحرب للوصول إلى البحر الاحمر

 

 

استشهد الكاتب بعادات مرتبطة بتناول الطعام لتوضيح ذلك، مشيرًا إلى أن صدام حاول إدخال الشوك والملاعق إلى المنازل، وعندما لم يتعامل الكبار مع الخطوة بجدية، اعتمد على الأطفال لتعليم الأجيال الأكبر كيفية استخدامها.

يصف الفرزلي صدام بأنه «حالة خاصة في العالم العربي»، معتبرًا أن الأنظمة الديكتاتورية تسعى عادة إلى تحقيق نتائج سريعة، بينما تحتاج المجتمعات العربية، بحسب قراءته، إلى وقت أطول للتغيير بفعل العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية.

 

يرى الكاتب أن أفكار صدام كانت ذات أساس علماني، لكن الحرب مع إيران دفعته، وفق روايته، إلى الاقتراب أكثر من الخطاب الديني، بعدما وجد نفسه في مواجهة دولة ذات طابع ديني في ظل هوية علمانية عراقية لم تكن واضحة بما يكفي.

انعكس هذا التحول على رموز الدولة أيضًا، إذ أشار الفرزلي إلى تغيير صدام العلم العراقي وكتابة عبارة «الله أكبر» عليه بدمه، إلى جانب دفع الدولة نحو إظهار طابع ديني أكثر وضوحًا.

 

تطرق الفرزلي إلى عام 1979، معتبرًا أن تلك المرحلة شهدت تصفيات واسعة داخل حزب البعث، وربطها بالخلاف والانقلاب السياسي على سوريا.

تعود إحدى أبرز ذكريات الكاتب مع صدام إلى عام 1975، عندما كان في بغداد وأُبلغ بأن صدام سيتوجه إلى موسكو، ثم عُرض عليه مرافقته، فوافق على الرحلة.

 

برز خلال الزيارة إلى موسكو موضوع «خليجية العراق»، بحسب الفرزلي، إذ كان صدام يشعر بأن بلاده حُرمت من أن تكون دولة خليجية تمتلك منفذًا مباشرًا على مياه عميقة.

يقول الفرزلي إن صدام لم يكن يريد في البداية غزو الكويت، بل سعى إلى اتفاق يمنح العراق موقعًا استراتيجيًا مطلًا على البحر. ويرى أن مطالب مماثلة طُرحت قبله، لكن صدام كان الشخص الذي انتقل من المطالبة إلى التنفيذ.

 

يربط الكاتب هذه الرؤية بطريقة رسم القوى الكبرى لخريطة المنطقة، معتبرًا أن غياب منفذ عراقي على مياه خليجية عميقة لم يكن، من وجهة نظره، مجرد نتيجة عابرة، بل جزءًا من شكل جغرافي وسياسي للمنطقة، استند إليه صدام في مقاربته للملف الكويتي.

بعد فشل هذا المشروع، دخل صدام الحرب، وفق رواية الفرزلي، لتتسع المواجهة لاحقًا وتتحول إلى سلسلة من الحروب التي وصفها بأنها أشبه بحروب عالمية، في ظل غياب دعم دولي قادر على إنقاذ النظام العراقي من نتائج خياراته.

 

توقف الفرزلي كذلك عند علاقة صدام بشاه إيران، معتبرًا أن الرئيس العراقي كان يتعامل معه بحذر، وأن الاتفاق مع الشاه منحه ارتياحًا سياسيًا بعد إنهاء التمرد الكردي، لكنه لم يتوقع مغادرة الشاه السلطة لاحقًا.

 

على الصعيد الداخلي، تناول الكتاب محاولات تطوير الزراعة وتعزيز الأمن الغذائي، مشيرًا إلى توزيع البذار على الفلاحين بهدف زيادة الإنتاج، قبل أن يواجه المشروع مشكلات بسبب استخدام بعض البذار في الأكل أو لإطعام الحيوانات بدل زراعتها.

بحسب رواية الفرزلي، أدى توزيع بذور مسممة في العام التالي بحجة منع العصافير من أكلها إلى كارثة بعدما تناولها أشخاص أو استُخدمت لإطعام الأسماك والدواجن، ما تسبب في نفوقها.

 

اتجهت السلطات بعد ذلك إلى استقدام فلاحين من مصر وتأمين مساكن لهم، ويعتبر الفرزلي أن التجربة أسهمت في تحقيق نتائج مهمة على مستوى الأمن الغذائي.

امتد الحديث إلى قطاع التعليم، حيث أشار إلى انتشار المدارس في مختلف أنحاء العراق، بما في ذلك المناطق النائية، وإنشاء جامعات في المدن الكبرى ومدارس متخصصة، بعدما كانت جامعة بغداد، وفق ما أورده، الجامعة الوحيدة في البلاد.

 

يرى الفرزلي أن هذه التجارب والإنجازات في مجالات التعليم والزراعة والتنمية لم تأخذ مداها الكامل بسبب الأزمات والحروب المتلاحقة، معتبرًا أن الصورة التي كرستها الأدبيات السياسية عن صدام ركزت بدرجة كبيرة على الحروب والقرارات السياسية وأهملت جوانب من تجربته الداخلية.

 

يقدم الكتاب صدام باعتباره شخصية لا يمكن فصلها عن تكوينها الشخصي والبيئة العشائرية التي نشأت فيها، وليس مجرد رئيس ارتبط اسمه بالحروب والقرارات السياسية الكبرى.

يصف الفرزلي صدام بأنه كان شديد القسوة ولا يميل إلى التعاطف، رغم محاولته الظهور بصورة أكثر لطفًا في بعض المناسبات، كما يتناول في كتابه مقابلة صدام الشهيرة مع روكفلر، معتبرًا أنها شكلت محطة مهدت لاحقًا للقاء مع شاه إيران.

 

يقول الكاتب إن الدافع الأساسي وراء الكتاب كان غياب محاولة، في رأيه، لفصل شخصية صدام وتحليل مكوناتها منذ بداياتها وصولًا إلى نهايتها. لذلك تعامل معه باعتباره «حالة تحتاج إلى تفكيك»، بعيدًا عن اختزاله في الحروب التي خاضها أو القرارات التي اتخذها.

يتوفر كتاب «العراقي الغامض... قراءة متأخرة في عقل صدام حسين» لدى «دار النهار»، ويقدمه الفرزلي بوصفه محاولة لإعادة قراءة شخصية الرئيس العراقي السابق من خلال لقاءات مباشرة وشهادات عايشها، مع التركيز على تكوينه الفكري والسياسي والاجتماعي إلى جانب مسيرته

في الحكم.

 

 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 9

اقرأ أيضاً