يتحول الذكاء الاصطناعي بصورة متسارعة من ساحة للمنافسة التقنية والاقتصادية إلى ملف يرتبط مباشرة بالأمن العالمي ومستقبل السيطرة على التكنولوجيا، بعدما خرجت تحذيرات جديدة من داخل أكبر شركات القطاع نفسه، مطالبة بإبطاء وتيرة تطوير النماذج الأكثر تقدماً وإعطاء إجراءات السلامة فرصة للحاق بالتقدم التقني.
وفي أحدث فصول الجدل، دعا الرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي إلى إبطاء سرعة تطوير قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي، محذراً من أن استمرار التسارع الحالي قد يخلق أنظمة يصعب احتواؤها أو السيطرة على سلوكها. وحظي الطرح بتأييد علني من الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان، ورائد التكنولوجيا إيلون ماسك، في موقف نادر يجمع شخصيات تتنافس شركاتها بشدة على قيادة القطاع.
تحذير من قدرات تتجاوز الرقابة
طرح أمودي خطة تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية: وجود جهات تقييم مستقلة داخل شركات الذكاء الاصطناعي تتمتع بصلاحيات واسعة لفحص إجراءات السلامة، وتنسيق أكبر بين الشركات الرائدة لوضع معايير مشتركة، إلى جانب تعاون دولي للتعامل مع المخاطر التي قد تنتج عن النماذج الأكثر تقدماً.
ولا يدعو الطرح إلى وقف تطوير الذكاء الاصطناعي، وإنما إلى تغيير إيقاعه بحيث لا تصبح زيادة القدرات أسرع من قدرة الشركات والحكومات على اختبارها وتأمينها. ويأتي ذلك بعد سلسلة حوادث كشفت قدرة بعض النماذج على تنفيذ عمليات اختراق ومحاولات للوصول إلى أنظمة خارجية خلال الاختبارات، فضلاً عن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في أنشطة شملت عمليات إلكترونية ومراقبة وتطوير أسلحة وعمليات احتيال.
وتزداد حساسية المسألة مع الحديث عن انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تنفذ أوامر محددة إلى ما يسمى «الوكلاء»، القادرين على تنفيذ سلسلة من المهام بصورة شبه مستقلة. ويحذر أمودي من أن استمرار تطور هذه القدرات بالسرعة الحالية قد يسمح خلال فترة قصيرة بظهور مجموعات من الأنظمة القادرة على إحداث أضرار واسعة النطاق.
المخاطر لم تعد نظرية بالكامل
القلق المتصاعد لا يرتبط فقط بسيناريوهات مستقبلية تتحدث عن فقدان البشر السيطرة على أنظمة فائقة الذكاء، إذ شهدت الأشهر الأخيرة اختبارات أظهرت قدرة نماذج متقدمة على اكتشاف ثغرات ومحاولة اختراق أنظمة رقمية خارجية.
وتبقى السيناريوهات الأكثر خطورة موضع خلاف بين الباحثين، فلا يوجد حتى الآن اتفاق علمي حول احتمال حدوث كارثة واسعة بسبب الذكاء الاصطناعي أو موعدها. لكن المؤكد أن قدرات النماذج تتوسع بسرعة، فيما تواجه القوانين وآليات الرقابة صعوبة في مواكبة هذا التطور.
وهنا تكمن المفارقة: الشركات التي تقود سباق تطوير الذكاء الاصطناعي هي نفسها التي بدأت تحذر من سرعة السباق. فكل نموذج جديد أكثر قدرة يعني في الوقت نفسه فرصة تجارية أكبر، لكنه يرفع أيضاً سقف المخاطر المحتملة، ما يضع الشركات أمام معادلة صعبة بين الابتكار والسلامة.
ترامب: لا مجال للتراجع أمام الصين
في المقابل، يتعامل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع المسألة من زاوية مختلفة، إذ يرى أن أي إبطاء كبير قد يهدد التفوق الأمريكي في مجال بات يُنظر إليه باعتباره أحد أهم ميادين الصراع التكنولوجي مع الصين.
وقال ترامب إن الولايات المتحدة تتقدم على الصين في تطوير الذكاء الاصطناعي، مؤكداً رغبته في الحفاظ على هذا التفوق، ومعتبراً أن الطرف الذي ينتصر في هذا المجال سيمتلك أفضلية استراتيجية واسعة. كما قلل من شأن بعض التحذيرات التي وصفها بأنها صادرة عن جهات سلبية وتستند إلى سيناريوهات قد لا تتحقق، مع إقراره بالحاجة إلى بعض الضوابط.
ويعكس هذا الموقف جوهر المعضلة التي تواجه واشنطن: كيف يمكن وضع حدود للذكاء الاصطناعي من دون منح الصين فرصة لتقليص الفجوة التكنولوجية؟ وحتى أمودي، رغم دعوته إلى إبطاء التطوير، لم يطرح الأمر باعتباره تنازلاً عن السباق مع بكين، بل دعا إلى الحفاظ على التفوق الأمريكي بالتوازي مع تشديد إجراءات الأمان والرقابة.
سباق عالمي يتجاوز الشركات
المنافسة لم تعد محصورة بين شركات أمريكية، إذ تعمل الصين على تسريع تطوير نماذجها وتوسيع استخدامها في الصناعة والاقتصاد، بينما تحاول واشنطن الحفاظ على موقعها المتقدم في الحوسبة والنماذج الأكثر تطوراً والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها.
ولهذا، فإن أي قرار بإبطاء التطوير لا يمكن فصله عن الحسابات الجيوسياسية. فالتكنولوجيا التي تحمل وعوداً بزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات قد تتحول أيضاً إلى عنصر في الأمن السيبراني والتسليح والاستخبارات والاقتصاد العالمي.
وبينما يدعو قادة في صناعة الذكاء الاصطناعي إلى منح السلامة وقتاً أطول، يصر البيت الأبيض على أن التفوق التكنولوجي لا يحتمل التراجع، ما يضع العالم أمام سباق غير مسبوق: سباق للوصول إلى الذكاء الاصطناعي الأكثر قدرة، وفي الوقت نفسه سباق لمعرفة كيفية إبقائه تحت السيطرة. وقد بدأت تداعيات الجدل تظهر حتى في الأسواق، مع تراجع أسهم شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات عقب الدعوات الأخيرة إلى إبطاء التطوير.