تتجه الأنظار مجدداً إلى مرتفعات جنوب لبنان، بعدما تحولت منطقة علي الطاهر ومحيطها إلى محور أساسي في النشاط العسكري الإسرائيلي خلال الأيام الأخيرة، وسط تساؤلات تتجاوز طبيعة العمليات الحالية إلى ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى فرض نطاق ميداني أوسع شمال خط الحدود.
وتكتسب المنطقة أهميتها من موقعها الجغرافي، إذ تشكل المرتفعات الممتدة في إقليم التفاح عقدة طبيعية تسمح بالإشراف على مساحات واسعة من النبطية والجنوب، فيما تفتح طبيعة التضاريس المعقدة أمام القوات المتحكمة بالمرتفعات قدرة أكبر على المراقبة والاستهداف.
ومن هنا يبرز ما يمكن وصفه بـ«مثلث المرتفعات»، الممتد بين كفر حونة وإقليم التفاح ومشغرة، باعتباره إحدى النقاط التي قد تتقاطع عندها الحسابات العسكرية إذا قررت إسرائيل توسيع عملياتها البرية.
اقرأ أيضاً: مرفأ بيروت على طريق التوسع.. مشروع جديد لدعم التجارة
علي الطاهر.. هدف بالنار لا بالاحتلال
المعطيات العسكرية المتداولة تشير إلى أن التعامل الإسرائيلي مع مرتفع علي الطاهر اتخذ مساراً مختلفاً عن فكرة السيطرة البرية المباشرة عليه.
وبحسب ما أوردته تقارير عن طبيعة العملية، جرى الإعداد لها على مدى أشهر، واعتمدت على القصف وتدمير المواقع والمنشآت الموجودة في المرتفع، بهدف حرمان حزب الله من الاستفادة من موقعه التكتيكي، بدلاً من تحويله بالضرورة إلى قاعدة انتشار إسرائيلية ثابتة.
وتفسر هذه المقاربة جانباً من كثافة الاستهداف، إذ إن السيطرة بالنار تمنح الجيش الإسرائيلي إمكانية تعطيل الموقع وإبعاده عن الاستخدام العسكري من دون تحمل كلفة التمركز البري الدائم في منطقة جبلية شديدة التعقيد.
لكن ذلك لا يعني أن المخاطر المرتبطة بالتوسع قد انتهت، فإزالة قيمة مرتفع عسكرياً يمكن أن تكون خطوة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل البيئة الميدانية المحيطة به.
اقرأ أيضاً: براميل متفجرة ومسيّرات.. آلة الحرب الإسرائيلية تدمر جنوب لبنان
جغرافيا صعبة وحسابات مختلفة
يمتد إقليم التفاح بين النبطية وجزين، وتحيط به سلسلة من المرتفعات التي تجعل أي عملية برية واسعة شديدة التعقيد.
ويبرز جبل صافي بارتفاع يقارب 1400 متر، إلى جانب مرتفعات الرفيع والريحان وعرمتى وسُجُد ومليخ، وهي مناطق تمنح السيطرة على بعضها قدرة على مراقبة نطاقات واسعة، لكنها في الوقت نفسه تفرض على أي قوة تحاول التقدم فيها مواجهة تضاريس وعرة ومسارات محدودة.
لهذا السبب، تبدو الضربات الجوية والمدفعية أكثر ملاءمة للجيش الإسرائيلي من الاندفاع البري في عمق هذه المناطق، خصوصاً إذا كان الهدف تعطيل القدرات العسكرية لحزب الله بدلاً من احتلال مساحة جغرافية واسعة.
اقرأ أيضاً: غارات وتفجيرات وتدمير.. انتهاكات إسرائيلية متواصلة جنوب لبنان
ثلاثة مسارات أمام الميدان
وتظهر أمام إسرائيل، وفق القراءة العسكرية للمشهد، ثلاثة مسارات محتملة.
الأول يتمثل في توسيع الضغط باتجاه المحور الساحلي، انطلاقاً من محيط النبطية وصولاً إلى دير الزهراني والزهراني، بما يمكن أن يؤدي إلى تضييق المجال الجغرافي أمام الحركة جنوباً.
أما المسار الثاني فيتعلق بالتقدم نحو المرتفعات، مع التركيز على مناطق الريحان وعرمتى وجزين والمنشآت التي يُعتقد أنها ترتبط بالبنية العسكرية واللوجستية لحزب الله. وفي حال اعتماد هذا الخيار، يرجح أن يكون القصف عن بُعد أداة أساسية لتجنب معارك برية مكلفة.
ويبقى المسار الثالث، والأكثر ترجيحاً وفق المعطيات الحالية، قائماً على إعادة التموضع والحفاظ على السيطرة بالنار، مع منع حزب الله من استعادة المواقع التي تمنحه أفضلية تكتيكية، من دون الذهاب إلى احتلال بري واسع.
هل تعود خطوط ما قبل 2000؟
رغم الحديث عن اتساع العمليات، تبدو فرضية عودة إسرائيل إلى كامل المناطق التي كانت تحتلها في جنوب لبنان قبل عام 2000 أقل ترجيحاً في الظروف الحالية.
فالبيئة العسكرية والسياسية مختلفة، كما أن طبيعة التهديدات التي كانت مرتبطة ببعض المرتفعات قبل الانسحاب ليست بالضرورة مماثلة لما هو قائم اليوم.
وعليه، تبدو الأولوية الإسرائيلية، وفق هذه القراءة، مرتبطة بالحفاظ على نطاق عازل وحرية حركة بالنيران أكثر من إعادة إنتاج احتلال واسع كالذي انتهى بانسحاب عام 2000.
لكن الخطر يكمن في أن تتحول هذه المنطقة العازلة نفسها إلى مساحة قابلة للتوسع تدريجياً، خصوصاً إذا استمر الجيش الإسرائيلي في ضرب المواقع الواقعة شمال الحدود وتوسيع نطاق عملياته.
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل تريد استعادة خطوط ما قبل عام 2000، بل بما إذا كانت عملياتها الحالية تؤسس لخطوط جديدة أكثر عمقاً داخل الجنوب اللبناني، تفرضها القوة العسكرية قبل أن تصبح واقعاً ميدانياً يصعب تغييره.