رهان يتجاوز الصيانة
تدخل مصفاة بانياس مرحلة إعادة تأهيل واسعة تستهدف رفع قدرتها التكريرية من نحو 80 ألف برميل يومياً إلى قرابة 130 ألفاً، بزيادة تصل إلى 50 ألف برميل يومياً. لكن أهمية المشروع لا تتوقف عند رفع الإنتاج، إذ يأتي في وقت تواجه فيه سوريا فجوة كبيرة بين احتياجاتها النفطية والإنتاج المحلي، ما يجعل إعادة تشغيل الأصول القائمة جزءاً من معركة أوسع لتقليص فاتورة الاستيراد وتعزيز أمن الطاقة.
وتشمل أعمال التأهيل استبدال المفاعل، وإعادة تأهيل وحدات التقطير الجوي والفراغي والتحسين والهدرجة والكبريت، إلى جانب محطة القوى والمختبرات والأبنية والطرق ومنظومات السلامة. ومن المتوقع إنجاز أعمال التقطير ومحطة القوى خلال نحو شهرين، بينما يحتاج قسم التحسين إلى شهر إضافي، في ظل عدم استبدال مفاعله منذ أكثر من أربعة عقود.
اقرأ أيضاً: عدرا وحسياء والشيخ نجار.. محركات الاقتصاد السوري الجديد
قفزة في التكرير
رفع الطاقة التكريرية إلى 130 ألف برميل يومياً يمثل استعادة لجزء مهم من القدرة الصناعية التي تضررت بنيتها التحتية على مدى سنوات، لكنه لا يعني تلقائياً وصول سوريا إلى الاكتفاء النفطي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن زيادة قدرة المصفاة يمكن أن ترفع نسبة المشتقات المنتجة محلياً، وتحد من الحاجة إلى شراء المنتجات المكررة من الخارج، كما تسمح بتحقيق قيمة مضافة داخل الاقتصاد بدلاً من الاعتماد على استيراد الوقود الجاهز.
غير أن الاستفادة الفعلية من الطاقة الجديدة ستظل مرتبطة بعامل أساسي: توافر الخام المناسب بالكميات المطلوبة. فالمصفاة لا تستطيع العمل بكامل طاقتها إذا لم يتوافر النفط الخام الملائم للتكرير، وهو ما يجعل تطوير الإنتاج النفطي المحلي بالتوازي مع تحديث المصافي ضرورة لا خياراً.
اقرأ أيضاً: قفزة حادة في أسعار المحروقات بسوريا مع اقتراب الشتاء
الاستيراد لن يتوقف
تحتاج سوريا إلى نحو 300 ألف برميل يومياً لتغطية احتياجاتها النفطية والمشتقات، في حين تشير التقديرات الحكومية إلى أن الإنتاج المحلي يدور حول 100 ألف برميل يومياً.
وهذا يعني أن زيادة قدرة بانياس بمقدار 50 ألف برميل يومياً يمكن أن تقلص جزءاً من الفجوة، لكنها لن تلغي الحاجة إلى الاستيراد. كما أن طبيعة الخام المحلي تمثل تحدياً إضافياً، مع ارتفاع حصة النفط الثقيل ضمن الإنتاج، الأمر الذي يفرض متطلبات تقنية على عمليات التكرير.
وتكمن إحدى أهم فوائد المشروع في تقليص كمية القطع الأجنبي التي تنفق على شراء المشتقات من الخارج. فكل زيادة في الإنتاج المحلي تعني، نظرياً، تقليص جزء من المدفوعات الخارجية المرتبطة باستيراد البنزين والمازوت والمنتجات النفطية الأخرى.
لكن حجم الوفر الفعلي سيعتمد على أسعار النفط العالمية، وكلفة التشغيل، وكفاءة المصفاة، وأسعار الخام المستخدم، إضافة إلى حجم الإنتاج المحلي المتاح.
الوقود الأرخص.. ليس مضموناً
لا تعني زيادة إنتاج المشتقات بالضرورة انخفاض أسعار البنزين والمازوت في السوق السورية.
فأسعار الوقود تتأثر بمجموعة واسعة من العوامل، بينها سعر النفط الخام عالمياً، وكلفة النقل والتأمين والشحن، وسعر الصرف المعتمد في عمليات الاستيراد، وحجم الدعم الحكومي، فضلاً عن كلفة الإنتاج والتوزيع المحلية.
ويظهر هذا التعقيد في توقيت أعمال تأهيل بانياس، إذ شهدت أسعار المشتقات النفطية في سوريا ارتفاعات جديدة بالتزامن مع استمرار أعمال الصيانة وارتفاع كلفة تأمين جزء من الاحتياجات من الأسواق الخارجية.
وبموجب الأسعار الجديدة التي دخلت حيز التنفيذ في 13 أيلول، ارتفع سعر ليتر بنزين أوكتان 95 إلى 195 ليرة سورية، مقابل 152 ليرة سابقاً، بينما ارتفع أوكتان 90 إلى 185 ليرة بعد أن كان 147 ليرة. كما صعد سعر المازوت إلى 175 ليرة مقارنة بـ125 ليرة.
وهنا تظهر المفارقة: قد ترتفع القدرة الإنتاجية للمصفاة، بينما تواصل أسعار الوقود الصعود إذا بقيت كلفة الخام والاستيراد والعوامل الخارجية مرتفعة.
أثر يتجاوز النفط
يمتد تأثير المشتقات النفطية إلى معظم مفاصل الاقتصاد السوري.
ويعد النقل من أكثر القطاعات ارتباطاً بالبنزين والمازوت، بينما تعتمد قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات بصورة متفاوتة على الوقود لتشغيل الآليات والمولدات والمنشآت. كما ترتبط كلفة إنتاج الكهرباء وتوزيعها بتوافر مصادر الطاقة وأسعارها.
لذلك، فإن تقليص الحاجة إلى استيراد المشتقات يمكن أن يخفف الضغط على سلاسل التوريد وعلى احتياطيات القطع الأجنبي، وقد يحد من جزء من تكاليف الإنتاج.
لكن انتقال هذا الوفر إلى المستهلك ليس تلقائياً. فغياب آلية تسعير واضحة تربط الأسعار بكلفة الإنتاج والاستيراد والتوزيع قد يجعل انخفاض الكلفة الفعلية لا يظهر بالضرورة في السعر النهائي.
ومن هنا يصبح إصلاح منظومة التسعير جزءاً مكملاً لإعادة تأهيل المصفاة، وليس ملفاً منفصلاً عنها.
عقدة الخام والتشغيل
تكشف عملية بانياس أن زيادة القدرة التكريرية ليست سوى حلقة واحدة في سلسلة الطاقة.
فرفع الطاقة إلى 130 ألف برميل يومياً يحتاج إلى خام كافٍ وملائم، وشبكات نقل فعالة، وإمدادات مستقرة من الكهرباء، وتمويل مستمر للصيانة والتشغيل، إضافة إلى سوق قادرة على استيعاب المنتجات وتوزيعها بكفاءة.
كما أن الاعتماد على منشأة واحدة لتغطية جزء كبير من احتياجات البلاد يبقي قطاع الطاقة عرضة للمخاطر التشغيلية إذا تعرضت المصفاة لأي توقف مفاجئ.
ولهذا، فإن إعادة تأهيل بانياس ينبغي أن تترافق مع تطوير بقية منظومة الطاقة، من الإنتاج والاستكشاف إلى النقل والتخزين والتكرير والتوزيع.
أمن الطاقة يحتاج أكثر
تمثل عمرة مصفاة بانياس فرصة لاستعادة جزء من القدرة الصناعية السورية وتقليص الاعتماد على استيراد المشتقات، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق أمن الطاقة.
فالرهان الأكبر يتمثل في زيادة إنتاج الخام والغاز، تنويع مصادر الطاقة، تحسين كفاءة الاستهلاك، وتوسيع الاستثمار في الطاقة المتجددة، بالتوازي مع إصلاح البنية التحتية النفطية.
وتشير الخطط الاستثمارية المعلنة إلى توجه نحو جذب رؤوس أموال جديدة إلى قطاعات النفط والغاز والطاقة المتجددة، بما يعكس محاولة لإعادة بناء قطاع الطاقة على قاعدة أوسع من مجرد إعادة تشغيل المنشآت القديمة.