لم تكتفِ طهران، في أحدث رسائلها العسكرية، بتجديد التهديد بالرد على أي هجوم جديد، بل ركزت بصورة لافتة على عامل آخر داخل معادلة الردع: توحيد أداء الجيش والحرس الثوري وتعزيز التنسيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية.
وجاء ذلك خلال اجتماع جمع القائد العام للجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي، وقائد الحرس الثوري اللواء أحمد وحيدي، في مناسبة ارتبطت باستذكار قتلى الحرب الأخيرة ومراجعة التطورات الميدانية. لكن الأهم في الاجتماع كان اللغة المشتركة التي استخدمها الرجلان في الحديث عن الجاهزية، ووحدة القرار، وطبيعة الرد المتوقع في حال تعرض إيران لهجوم جديد.
رسالة موحدة من المؤسستين العسكريتين
حاتمي أكد أن أي عدوان على إيران سيقابل برد سريع وموحد وقوي من الجيش والحرس الثوري، في إشارة إلى أن طهران لا تنظر إلى القوتين باعتبارهما جبهتين منفصلتين في مواجهة التهديدات الخارجية.
ويحمل هذا الخطاب دلالة عملية، خصوصاً بعد الحروب الأخيرة التي فرضت على المؤسسات الإيرانية التعامل مع تهديدات متعددة في وقت واحد، من الضربات المباشرة إلى الضغوط الاستخباراتية والأمنية.
أما وحيدي، فركز على أن التنسيق بين القوات المسلحة وقوات إنفاذ القانون بلغ، وفق وصفه، مستوى غير مسبوق، مشيراً إلى تعاون استخباراتي وعملياتي يرى أنه ساهم في تعزيز قدرة إيران على إدارة المواجهة.
ومن الناحية العسكرية، تبدو هذه النقطة أهم من الشعارات المرتبطة بحجم القوة نفسها؛ فالقدرات الصاروخية والطائرات المسيرة والدفاع الجوي لا تكون وحدها كافية في مواجهة حرب مركبة، ما لم تترافق مع قدرة على جمع المعلومات واتخاذ القرار وتوزيع المهام بسرعة.
اقرأ أيضا:
أنصار الله يتقدمون غرباً والساحل اليمني يدخل مرحلة جديدة
هجمات مسيّرة تستهدف شريان النفط السعودي شرق غرب
ما وراء الحديث عن «قدرات تفوق التصور»
أكثر العبارات اللافتة جاءت على لسان وحيدي، الذي قال إن القدرات العسكرية الإيرانية تتجاوز ما يتصوره خصومها، وإن حقيقتها ستظهر في الميدان.
لكن قراءة هذا التصريح بعيداً عن سياقه الدعائي المباشر تكشف هدفاً آخر، يتمثل في محاولة تثبيت صورة الردع قبل اندلاع أي مواجهة. فإظهار حجم الغموض المحيط بالقدرات العسكرية يمكن أن يكون جزءاً من المعادلة نفسها، لأن الردع لا يعتمد فقط على استخدام القوة، بل أيضاً على إقناع الطرف الآخر بأن كلفة اختبارها ستكون مرتفعة.
وتأتي هذه الرسالة في بيئة إقليمية ما تزال احتمالات التصعيد فيها مرتفعة، خصوصاً بعد انتقال المواجهات خلال الأشهر الماضية من الضربات المحدودة إلى عمليات أوسع وأكثر مباشرة.
الجيش والحرس.. وظيفتان داخل منظومة واحدة
يختلف الجيش الإيراني عن الحرس الثوري في طبيعة الدور والمهمة.
فالجيش يمثل القوة العسكرية التقليدية للدولة، ويتولى حماية الحدود والسيادة عبر قواته البرية والجوية والبحرية، بينما يملك الحرس الثوري اختصاصات أوسع ترتبط بحماية النظام ومؤسسات الثورة، إضافة إلى أدوار أمنية وعسكرية خارج الحدود.
ويشكل «فيلق القدس» الذراع الخارجية للحرس الثوري، بينما يحتفظ الجيش ببنية تقليدية تتركز أساساً على الدفاع العسكري المباشر.
ورغم اختلاف المهام، فإن كليهما يعمل ضمن منظومة قيادة عسكرية عليا تتولى تنسيق العمل بين القوات المسلحة، وهو ما يسمح لطهران ببناء آلية موحدة عند ارتفاع مستوى التهديد.
وهنا تبدو أهمية الرسائل الأخيرة؛ فهي لا تتحدث عن اندماج المؤسستين، وإنما عن تعزيز قدرتهما على العمل في اتجاه واحد عند الضرورة.