الحسكة بين جرائم فردية ومخاوف من توتر قومي

جاسم عليوي - الحسكة

2026.09.12 - 14:17
Facebook Share
طباعة

لا تبدو المشكلة الأمنية في محافظة الحسكة مرتبطة بالجرائم الأخيرة وحدها، بقدر ما تتصل بالطريقة التي يمكن أن تُستثمر بها هذه الحوادث في بيئة اجتماعية شديدة الحساسية، حيث تتداخل الانتماءات القومية والعشائرية مع واقع أمني وسياسي لم يستقر بصورة كاملة بعد.

 

وخلال الأيام الماضية، شهدت المحافظة أكثر من حادثة قتل، ترافقت مع احتجاجات وتحركات واتهامات متبادلة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما دفع فعاليات محلية إلى التحذير من نقل الخلافات من إطارها الجنائي إلى مستوى أوسع يمكن أن يفتح الباب أمام احتقان عربي – كردي أو عشائري.

 

في هذا السياق، تحاول شخصيات رسمية واجتماعية الدفع باتجاه حصر الملفات الأخيرة ضمن مسارها القضائي، بالتوازي مع دعوات إلى ضبط الخطاب العام ومنع تحويل الضحايا أو المشتبه بهم إلى ممثلين عن جماعات اجتماعية بأكملها.

 

من جريمة إلى أزمة عامة

 

أبرز التطورات بدأت مع مقتل سامي شيخموس حسو، المعروف باسم «سيبان»، في مدينة رأس العين، بعد العثور على جثته قرب قرية الحلو، إثر تعرضه لإطلاق نار.

 

وبحسب الجهات الأمنية، أظهرت المعلومات الأولية وجود عملية اختطاف سبقت الحادثة، كما جرى تحديد مشتبه به والعمل على توقيفه لاستكمال التحقيق وإحالته إلى القضاء.

 

لكن القضية حملت معها خلفية أقدم زادت من حساسيتها، إذ أُعيد تداول معلومات عن اتهام حسو بالضلوع في مقتل شخصين من قبيلة البكارة قبل نحو عامين. وفي ظل تعدد الروايات بشأن تلك الحادثة القديمة، فإن إعادة طرحها بالتزامن مع مقتله الحالي ساهمت في توسيع النقاش من سؤال المسؤولية الجنائية إلى أسئلة تتعلق بالانتماء والانتقام.

 

وهنا تحديداً تكمن إحدى أكثر نقاط الخطر في المشهد الحالي: عندما تتحول حادثة قتل إلى قضية جماعية، يصبح من الصعب إبقاء تداعياتها محصورة بين الجاني والضحية، وقد تنتقل سريعاً إلى محيط أوسع لا علاقة مباشرة له بالجريمة.


الأمن أمام اختبار جديد

السلطات الأمنية أعلنت، بالتوازي مع التحقيق في حادثة رأس العين، توقيف شخصين على خلفية مقتل الشاب كاسر عطية المحمد في حي المطار بمدينة القامشلي، مؤكدة استمرار جمع المعلومات وتحديد المسؤوليات تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية.

 

هذه الخطوة تحمل أهمية تتجاوز الملف القضائي نفسه، إذ إن قدرة المؤسسات على التحقيق والتوقيف وإحالة المتهمين إلى القضاء تصبح عاملاً أساسياً في منع تشكل مسارات موازية للعدالة، خصوصاً عندما تنتشر روايات غير مكتملة عبر المنصات الرقمية.

 

وفي هذا الإطار، عقد نائب محافظ الحسكة أحمد الهلالي اجتماعاً مع وجهاء وشخصيات عشائرية، مركزاً على ضرورة الحوار والتفاهم، وعلى الدور الذي تستطيع الفعاليات الاجتماعية القيام به في احتواء التوتر ومنع انتقاله إلى الشارع.

كما صدرت دعوات بعدم استهداف المؤسسات الأمنية والخدمية، في ظل تسجيل اعتداءات على مراكز في بعض المناطق وإطلاق رصاص عشوائي خلال فترة التوتر.


وسائل التواصل تزيد سرعة الاشتعال

 

لم تعد المشكلة في الحسكة مرتبطة بالحادثة الأصلية فقط، وإنما بسرعة انتشار المعلومات غير المكتملة حولها.

فخلال ساعات، يمكن لمقطع مصور أو منشور يتضمن اتهاماً غير مثبت أن يتحول إلى مادة للتعبئة، خصوصاً عندما يُربط الحادثة مباشرة بالقومية أو العشيرة. وفي بيئة تعاني أصلاً من حساسيات متراكمة، تصبح المعلومة غير الدقيقة قادرة على إنتاج رد فعل يتجاوز بكثير حجم الواقعة التي بدأت منها.

 

ولهذا تركز الدعوات المحلية على ترك التحقيقات تأخذ مسارها، وعدم بناء المواقف على رواية واحدة، وعدم تحويل المتهم إلى عنوان لجماعة بأكملها.

 

المعادلة هنا تبدو واضحة: إذا ثبتت مسؤولية شخص، فإن المسؤولية يجب أن تبقى فردية، أما توسيعها لتشمل قومية أو عشيرة أو منطقة، فيعني عملياً تحويل جريمة محددة إلى نزاع اجتماعي مفتوح.


مرحلة تحتاج إلى احتواء لا تصعيد

وتكتسب هذه التطورات حساسية إضافية في ظل استمرار إعادة ترتيب الملف الأمني والإداري في المحافظة ومرحلة دمج المؤسسات والهياكل ضمن مؤسسات الحكومة السورية.

وفي مثل هذه الظروف، فإن أي احتقان اجتماعي واسع قد يتحول من مشكلة أمنية محدودة إلى عائق أمام الاستقرار المحلي، خصوصاً في محافظة تجمع مدناً وبلدات ومناطق تضم تركيبة سكانية متعددة وعلاقات اجتماعية وعشائرية متشابكة.

 

لذلك تبدو معركة الحسكة الحالية مرتبطة بقدرة المؤسسات والفعاليات المحلية على الفصل بين الجريمة والانتماء، وبين المطالبة بالعدالة والرغبة في الانتقام.

 

فالمطلوب في هذه المرحلة ليس تجاهل الجرائم أو تخفيف مسؤولية مرتكبيها، بل على العكس، تشديد المسار القانوني بحيث يصبح القضاء هو الجهة التي تحدد المسؤوليات، بالتوازي مع منع الشارع ومنصات التواصل من إنتاج أحكام موازية.

 

ومع استمرار التحقيقات في قضايا القتل الأخيرة، يبقى السؤال الأهم في الحسكة: هل تنجح المحافظة في إبقاء هذه الملفات ضمن حدودها الجنائية، أم تسمح التوترات المتراكمة بتحويل جرائم فردية إلى أزمة اجتماعية أوسع؟ 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 10