أسواق الشمال السوري بين إرث الليرة التركية وعودة السورية

2026.09.11 - 21:18
Facebook Share
طباعة

تحول نقدي تدريجي
تشهد مناطق شمال غربي سوريا تحولاً تدريجياً في طبيعة التعاملات النقدية، مع بدء عودة الليرة السورية إلى الأسواق والمؤسسات، في وقت لا تزال فيه الليرة التركية تحافظ على حضور واسع بعد سنوات من اعتمادها عملة أساسية للشراء والبيع وتسديد أجور الخدمات.
ورغم توجه السلطات النقدية السورية إلى تقليص تداول الليرة التركية وسحبها تدريجياً من الأسواق، فإن الاعتياد عليها واستقرار استخدامها في قطاعات حيوية يجعلان عملية الانتقال إلى الليرة السورية أكثر تعقيداً، خصوصاً في إدلب وريف حلب.

اقرأ أيضاً: السوق السورية تفتح أبوابها.. والشركات الأميركية تتحرك


حضور متجذر
يجد التجار والسكان في الليرة التركية عملة أكثر سهولة في التعامل اليومي، بعدما ارتبط استخدامها لسنوات بأسعار السلع والخدمات والأجور والفواتير.
ويواجه بعض أصحاب المتاجر صعوبات في الانتقال إلى الليرة السورية، ولا سيما مع اعتماد إصدار نقدي جديد وحذف صفرين من العملة، الأمر الذي خلق ارتباكاً لدى المتعاملين بين الأسعار القديمة والجديدة.
ويرى خبراء اقتصاديون أن استمرار حضور الليرة التركية يرتبط بطبيعة التحولات التي شهدتها مناطق شمال غربي سوريا خلال السنوات الماضية، إذ تشكلت فيها شبكة اقتصادية منفصلة نسبياً عن دمشق، فيما جرى ربط قطاعات الكهرباء والاتصالات والخدمات بالعملة التركية.

اقرأ أيضاً: عبر الذكاء الاصطناعي.. استهداف صيني للإيغور في سوريا


أسباب الاعتماد
بدأ اعتماد الليرة التركية بصورة أوسع في المنطقة منذ عام 2020، ليشمل دفع الرواتب وتسديد فواتير الكهرباء والاتصالات والخدمات، إلى جانب استخدامها في الأسواق.
كما أسهم انتشار شركات مرتبطة بقطاع الطاقة والاتصالات في ترسيخ استخدامها، بعدما أصبحت بعض الخدمات والفواتير والاشتراكات تُحتسب بالليرة التركية، بينما دفعت مجالس محلية وجهات إدارية رواتب ورسومها بالعملة ذاتها.
ويشير مختصون إلى أن انهيار سعر صرف الليرة السورية خلال السنوات الماضية كان عاملاً رئيسياً في تعزيز اللجوء إلى الليرة التركية، بعدما أصبحت الأسعار تتغير بصورة متكررة، ما دفع قطاعات واسعة إلى البحث عن وسيلة أكثر استقراراً لحماية القوة الشرائية.


عودة سورية
مع التغيرات السياسية والاقتصادية التي شهدتها سوريا، بدأت الليرة السورية بالعودة تدريجياً إلى مناطق الشمال الغربي، خصوصاً داخل المؤسسات التابعة للدولة وبعض القطاعات الخدمية.
وبحسب تقديرات متعاملين في سوق الصرافة، تراجعت حصة الليرة التركية في بعض التعاملات إلى نحو 30%، مقابل ارتفاع حصة الليرة السورية إلى قرابة 70%، إلا أن ذلك لا يعني انتهاء حضور العملة التركية، التي لا تزال مستخدمة على نطاق واسع في الأسواق.
وتختلف سرعة الانتقال من منطقة إلى أخرى تبعاً لطبيعة النشاط التجاري ومستوى الاعتماد السابق على العملة التركية.


فروقات الأسعار
تبرز خلال المرحلة الانتقالية مشكلة أخرى تتمثل في فروقات التصريف بين العملتين، إذ يلجأ بعض التجار إلى عرض أسعار السلع بالليرة التركية ثم تحويلها إلى الليرة السورية، ما قد يؤدي إلى فروقات إضافية في الأسعار.
ويرى مختصون أن تعدد عمليات التحويل النقدي يرفع تكاليف المحاسبة على المتاجر والشركات، ويزيد الحاجة إلى تعديل العقود والإيجارات وأنظمة التسعير، في وقت لا تزال فيه السيولة بالعملة السورية الجديدة محدودة نسبياً.
وقد يؤدي نقص السيولة، وفق التقديرات الاقتصادية، إلى إبطاء دورة التجارة إذا لم تترافق عملية سحب الليرة التركية مع توفير كميات كافية من العملة السورية الجديدة.


خطة المركزي
تسعى السلطات النقدية السورية إلى تقليص تداول الليرة التركية بصورة تدريجية، بالتزامن مع تعزيز حضور المصرف المركزي في مناطق الشمال الغربي.
وفي هذا الإطار، أُعيد افتتاح فرع للمصرف المركزي في محافظة إدلب بعد توقف استمر أكثر من عشر سنوات، ضمن خطة لتوسيع نطاق الخدمات النقدية وتعزيز التعامل بالليرة السورية.
كما جرى التوصل إلى اتفاق مصرفي بين سوريا وتركيا يتيح للمصرف المركزي السوري الاحتفاظ بحساب إيداع بالليرة التركية لدى البنك المركزي التركي، في خطوة يمكن أن تساعد على تنظيم عملية سحب العملة التركية من الأسواق السورية وتسوية قيمتها مالياً.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الآلية قد تتيح إعادة الأوراق النقدية التركية المسحوبة إلى النظام المصرفي التركي، بما فيها الأوراق المتضررة، مع وقف ضخ كميات جديدة منها إلى الأسواق السورية.


مرحلة انتقالية
لا يُتوقع أن يترك سحب الليرة التركية تأثيراً كبيراً على الاقتصاد التركي، نظراً إلى إمكانية عودة الكتلة النقدية المسحوبة إلى النظام المصرفي في تركيا.
أما في سوريا، فقد يؤدي تقليص تداول العملة التركية إلى زيادة الطلب على الليرة السورية وتعزيز استخدامها كوسيلة رئيسية للدفع، لكن نجاح هذه الخطوة يرتبط بقدرة السلطات على توفير السيولة اللازمة وضمان استقرار الأسعار.
ويشير مختصون إلى أن انتقالاً سريعاً من دون توفير بديل نقدي كافٍ قد يؤدي إلى اضطرابات في الأسواق أو تباطؤ النشاط التجاري، خصوصاً في المناطق التي اعتمدت الليرة التركية لسنوات طويلة.


نحو سوق موحدة
تحتاج عملية الانتقال إلى الليرة السورية، وفق تقديرات اقتصادية، إلى ربطها بإجراءات أوسع تشمل دفع رواتب القطاع العام بالعملة السورية، وتسديد فواتير الخدمات بها، وتوحيد آليات التسعير والرقابة في الأسواق.
وبذلك، لا تبدو عملية سحب الليرة التركية مجرد تغيير في وسيلة الدفع، بل خطوة مرتبطة بإعادة توحيد النظام النقدي والاقتصادي في البلاد، وهي عملية قد تحتاج إلى أشهر قبل أن تترسخ بصورة كاملة في الأسواق. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 2