الاقتصاد السوري ينهار تحت وطأة الفقر وتكاليف الحرب

2026.09.11 - 13:36
Facebook Share
طباعة

لم تعد الأزمة الاقتصادية في سوريا مرتبطة فقط بمن فقدوا وظائفهم، إذ امتدت آثارها إلى الموظفين والمهنيين وأصحاب المهن الحرة والعاملين بأكثر من وظيفة. ومع استمرار تراجع القدرة الشرائية، أصبح تأمين الغذاء والسكن والدواء وتسديد الالتزامات اليومية تحديًا يواجه شرائح واسعة من المجتمع.

تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2025 إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما يقدّر البنك الدولي أن نحو ثلثي السكان يرزحون تحت خط الفقر، بينهم قرابة الربع في فقر مدقع. ورغم اختلاف المنهجيات، تعكس الأرقام اتساع نطاق الأزمة المعيشية.

اقرأ أيضاً: السويداء أمام تسوية جديدة.. خريطة الطريق تعود للواجهة

 

اقتصاد فقد أكثر من نصف حجمه

 

تُظهر بيانات البنك الدولي أن الاقتصاد السوري انكمش بأكثر من 50% بصورة تراكمية منذ عام 2010، فيما بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي نحو 830 دولارًا في عام 2024.

هذا الانكماش لم يقتصر على المؤشرات الاقتصادية، إذ أصاب قطاعات الإنتاج والخدمات وفرص العمل، وأضعف قدرة الأسر على مواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة. كما فقدت البلاد جزءًا مهمًا من طاقتها الإنتاجية نتيجة سنوات الحرب والتدمير والنزوح والهجرة.

 

إعادة الإعمار واختبار توزيع الموارد

 

قدّرت دراسة للبنك الدولي في 2025 تكلفة الأضرار المادية اللازمة لإعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، ما يجعل مرحلة التعافي واحدة من أكبر التحديات الاقتصادية أمام سوريا.

لكن حجم التمويل المطلوب لا يحسم وحده نتائج المرحلة المقبلة. فطريقة إدارة الأموال، وأولويات الإنفاق، ومستوى الشفافية، وآليات الرقابة والمنافسة ستحدد ما إذا كانت إعادة الإعمار ستعيد بناء قاعدة إنتاجية واسعة أم ستدفع نحو تركّز أكبر للثروة.

 

الحرب ليست العامل الوحيد

 

أدت الحرب إلى تدمير البنية التحتية، وتعطيل قطاعات الإنتاج، وفقدان رأس المال البشري، فضلًا عن النزوح والهجرة وتراجع فرص العمل. كما ساهمت العقوبات والقيود الاقتصادية الدولية في تعقيد حركة التجارة والاستثمار والتمويل.

إلى جانب ذلك، فرض الجفاف وتراجع الإنتاج الزراعي ضغوطًا إضافية، بينما ارتبطت بعض الصعوبات الداخلية بضعف المنافسة والشفافية، وإدارة الموارد، ومحدودية شبكات الحماية الاجتماعية.

اقرأ أيضاً:انفجار سرمدا يعيد فتح ملف مستودعات الذخيرة

الطبقة الوسطى تدفع كلفة الأزمة

 

أدت سنوات التدهور إلى تقليص قدرة شرائح واسعة من الطبقة الوسطى على الحفاظ على مستوى معيشتها. لجأت أسر إلى الاقتراض، وبيع الممتلكات، وزيادة ساعات العمل، أو التخلي عن أصول منتجة لتغطية النفقات الأساسية.

ويحمل بيع الأراضي أو الأصول المنتجة للحصول على الغذاء أثرًا يتجاوز الحاجة الآنية، لأنه يقلل قدرة الأسرة على توليد دخل مستقبلي ويضعف قاعدة النشاط الاقتصادي المحلي.

 

الهجرة تستنزف رأس المال البشري

 

لم تقتصر خسائر سوريا على المنشآت والمعدات، إذ غادرت أعداد كبيرة من الأطباء والمهندسين وأصحاب الخبرات والمهارات خلال سنوات الأزمة.

ويعني استمرار هذا النزيف البشري أن مرحلة إعادة الإعمار ستحتاج إلى استثمارات مادية كبيرة بالتوازي مع استعادة الكفاءات وتطوير التعليم والتدريب، لأن توفر التمويل وحده لا يكفي لتشغيل القطاعات التي تحتاج إلى خبرات متخصصة.

 

المساعدات لا تكفي وحدها

 

تظل المساعدات الإنسانية ضرورية بالنسبة إلى ملايين المتضررين، لكنها لا تشكل في حد ذاتها مشروعًا للتعافي الاقتصادي طويل الأمد.

ويتطلب خفض الاعتماد عليها توسيع فرص العمل، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين الخدمات الأساسية، وتوفير حماية اجتماعية قادرة على مساندة الأسر خلال مرحلة الانتقال من الإغاثة إلى النشاط الإنتاجي.

 

الاستثمار المطلوب هو الاستثمار المنتج

 

تحتاج سوريا إلى تدفقات استثمارية كبيرة لإعادة تشغيل الاقتصاد، لكن أثر هذه الأموال سيتوقف على طبيعة القطاعات التي تستقبلها.

فالاستثمار في الصناعة والزراعة والخدمات والبنية التحتية وسلاسل التوريد المحلية يمكن أن يوسع فرص العمل ويرفع الإنتاجية ويزيد الإيرادات العامة. أما النشاط العقاري والمضاربات، فقد يرفع حجم الحركة الاقتصادية دون أن ينعكس بالقدر نفسه على الدخل وفرص العمل لدى معظم السكان.

 

القطاع الخاص ودور الدولة

 

يمثل القطاع الخاص عنصرًا أساسيًا في إعادة تشغيل الاقتصاد وخلق الوظائف، لكن توسع النشاط التجاري يحتاج إلى بيئة تضمن المنافسة وتحول دون الاحتكار وتوفر قواعد واضحة للاستثمار والعمل والضرائب.

في المقابل، يرتبط دور الدولة بتوفير المؤسسات الفاعلة، وحماية حقوق العاملين، وتحسين التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، إلى جانب إدارة الموارد العامة بصورة أكثر شفافية.

 

التعافي الحقيقي يقاس بفرص العمل

 

تواجه سوريا خيارين رئيسيين خلال مرحلة التعافي: اقتصاد تتركز ثماره لدى مجموعات محدودة، أو مسار تنموي يوسع قاعدة الإنتاج ويخلق وظائف مستقرة ويعيد بناء الطبقة الوسطى.

لذلك، لن يكون ارتفاع بعض المؤشرات الاقتصادية كافيًا للحكم على نجاح التعافي. المعيار الأوضح سيكون قدرة الاقتصاد على توفير دخل مستدام، واستعادة الإنتاج، وتحسين الخدمات، وتقليص الاعتماد على المساعدات، وتوسيع قاعدة المستفيدين من النمو.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 2