تدخل مدينة النبطية ومحيطها مرحلة أكثر حساسية مع تصاعد الغارات الإسرائيلية جنوب لبنان، بالتزامن مع تعزيز الجيش اللبناني انتشاره داخل المدينة وفي عدد من البلدات المحيطة، في خطوة تبدو مرتبطة بالحاجة إلى تثبيت حضور مؤسسات الدولة وطمأنة السكان، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع نطاق العمليات العسكرية بعيداً عن المناطق الحدودية المباشرة.
ويأتي التحرك اللبناني بعد أيام من التطورات الميدانية في مرتفع علي الطاهر، الذي أعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة عليه، بالتزامن مع استمرار الضربات في مناطق تقع شمال وغرب المرتفع، بينها بلدات قريبة من النبطية. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بسبب الموقع الجغرافي للمنطقة وقربها من واحدة من أبرز مدن جنوب لبنان.
اقرأ أيضاً: 12 شهيداً في كفررمان وتصعيد إسرائيلي يوسع جراح الجنوب
تعزيز الانتشار في النبطية
وبحسب المعلومات المتداولة في بيروت، عزز الجيش اللبناني وجوده داخل مدينة النبطية، حيث انتشرت قوة إضافية في عدد من الأحياء والطرقات، إلى جانب الوحدات الموجودة أصلاً في المدينة.
وتزامن ذلك مع توجه قوة عسكرية جديدة إلى زوطر الغربية، إذ وصل نحو 80 عنصراً إلى البلدة، على أن يصل حجم القوة المنتشرة هناك إلى نحو 180 عنصراً، مع اعتماد آلية جديدة لتبديل العناصر من المنطقة نفسها بدلاً من نقلهم من بيروت.
ولا تقدم المعطيات المتوافرة هذا الانتشار باعتباره خطوة مرتبطة مباشرة بتسليم السلاح أو بتنفيذ مطلب سياسي محدد، بل يأتي في إطار تعزيز حضور الجيش اللبناني في منطقة تشهد تصعيداً عسكرياً وضغوطاً متزايدة.ويحمل الانتشار أيضاً بعداً داخلياً، إذ تسعى السلطات اللبنانية إلى إظهار قدرة الدولة على البقاء حاضرة في المناطق التي تشهد توتراً، خصوصاً مع عودة قسم من السكان إلى مناطقهم بعد فترات من النزوح.
أقرأ أيضاً: مكتب سلام ينفي إلغاء زيارة النبطية ويكشف الحقيقة
من علي الطاهر إلى محيط النبطية
وتزداد حساسية المشهد بعد التطورات التي شهدها مرتفع علي الطاهر، الذي يقع في موقع مرتفع يسمح بالإشراف على عدد من البلدات والطرق المؤدية إلى النبطية ومحيطها.
وأعلنت إسرائيل في الرابع من أيلول سيطرتها على المرتفع، معتبرة أن ذلك يعزز سيطرتها على المنطقة التي تصفها بأنها نطاق أمني في جنوب لبنان. ولم يصدر عن حزب الله في حينه تأكيد أو نفي للإعلان، فيما استمرت المواجهات والغارات في المناطق المحيطة.
وتشير التطورات اللاحقة إلى أن السيطرة على المرتفع لم تؤد إلى توقف العمليات، بل ترافقت مع ارتفاع وتيرة الضربات في بلدات تقع إلى الشمال والغرب منه، الأمر الذي عزز المخاوف اللبنانية من انتقال الضغط العسكري إلى نطاق أوسع.
وتكمن أهمية النبطية في كونها مركزاً سكانياً واقتصادياً وإدارياً رئيسياً في الجنوب، وبالتالي فإن انتقال العمليات إليها أو إلى محيطها المباشر سيكون أكثر تأثيراً من الضربات التي بقيت لفترات طويلة محصورة في المناطق القريبة من الحدود.
المسار السياسي أكثر تعقيداً
ميدانياً، يتزامن تعزيز انتشار الجيش مع مسار سياسي تقوده الولايات المتحدة بهدف تنفيذ التفاهمات التي أُبرمت خلال الصيف بين لبنان وإسرائيل.
وتقوم الصيغة المطروحة على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني وترتيبات مرتبطة بوضع السلاح والبنية العسكرية لحزب الله.
لكن هذا المسار يواجه عقبة أساسية تتمثل في ترتيب الخطوات. ففي حين يربط الطرح الأميركي بين نزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي، ترى أطراف لبنانية أن تثبيت الانسحاب ووقف الاعتداءات يجب أن يكونا جزءاً من الضمانات التي تسبق أي بحث جدي في ملف السلاح.
وهذا التباين يجعل انتشار الجيش في الجنوب أمام مهمة شديدة التعقيد، إذ يُطلب منه توسيع حضور الدولة في منطقة لا تزال تشهد عمليات عسكرية إسرائيلية، بينما تبقى ترتيبات المرحلة التالية مرتبطة بتفاهمات سياسية لم تستقر بصورة نهائية.
رسالة أميركية واضحة
وفي هذا السياق، برزت زيارة السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى إلى المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ولقاؤه الشيخ علي الخطيب، حيث تناول البحث التطورات الجنوبية ومستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية.
وبحسب المعطيات المتداولة عن اللقاء، ركز الجانب الأميركي على ضرورة معالجة مسألة سلاح حزب الله، وربط ذلك بإمكانية الانتقال إلى بحث الانسحاب الإسرائيلي، فيما شدد الجانب اللبناني على أن أي مقاربة للموضوع تحتاج إلى ضمانات تتعلق بوقف الاعتداءات والاحتلال وتأمين حماية السكان.
ويعكس هذا النقاش جوهر الخلاف الحالي: واشنطن تريد دفع ملف السلاح إلى مقدمة المسار السياسي، بينما ترى أطراف لبنانية أن معالجة أسباب استمرار التوتر، وفي مقدمتها الوجود الإسرائيلي والضربات المتواصلة، لا يمكن فصلها عن أي نقاش حول مستقبل السلاح.