لا تبدو زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع المرتقبة إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد محطة دبلوماسية جديدة، في ظل سلسلة اتصالات متسارعة تجري بين دمشق وواشنطن عبر قنوات سياسية وأمنية واقتصادية، بالتوازي مع حراك إقليمي تشكل أنقرة إحدى أبرز ساحاته.
وخلال الأيام الأخيرة، برزت أنقرة مجدداً كمساحة للتنسيق حول الملف السوري، بعدما التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني نظيره التركي هاكان فيدان، قبل أن تتوسع الاتصالات لتشمل المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق توماس باراك. وأكدت دمشق أن لقاء الشيباني وباراك تناول العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، فيما لم تُعلن تفاصيل واسعة عن مضمون المحادثات.
وتكتسب هذه اللقاءات أهمية إضافية بسبب توقيتها، إذ تأتي في مرحلة تحاول فيها دمشق الانتقال من الاتصالات السياسية العامة مع واشنطن إلى ملفات أكثر ارتباطاً بالتطبيق، سواء في المجال الأمني أو الاقتصادي أو في القضايا الداخلية التي تحظى باهتمام أميركي.
أنقرة ليست مجرد محطة
اختيار أنقرة لعقد هذه اللقاءات يحمل دلالة تتجاوز البعد الجغرافي، فتركيا أصبحت خلال المرحلة الأخيرة طرفاً مؤثراً في الملفات السورية، كما تستضيف اتصالات متقاطعة بين دمشق وواشنطن.
ويشير تزامن لقاء الشيباني وفيدان مع اللقاء الأميركي السوري إلى وجود قنوات متوازية تتقاطع حول عدد من الملفات، من الوضع الأمني في سوريا إلى ترتيبات الحدود ومكافحة تنظيم داعش، وصولاً إلى مستقبل العلاقة بين الحكومة السورية والقوى الموجودة في شمال شرق البلاد.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل التحرك الأميركي عن المسار الذي شهدته العلاقات مع دمشق منذ بداية العام، والذي انتقل تدريجياً من الاتصالات السياسية إلى خطوات عملية، كان أبرزها تفكيك جانب كبير من منظومة العقوبات الأميركية ثم إنهاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب في آب الماضي، بعد مسار قانوني بدأ بإخطار الكونغرس في تموز.
الجنوب حاضر في الحسابات الأميركية
إلى جانب العلاقات الثنائية، يبقى ملف السويداء واحداً من أكثر الملفات حساسية في الحسابات الأميركية تجاه سوريا.
وفي الأيام الماضية، أعاد باراك طرح خارطة الطريق التي جرى التوصل إليها بمشاركة سورية وأردنية وأميركية، باعتبارها إطاراً للحل في المحافظة، داعياً إلى خفض التصعيد والعودة إلى الحوار.
وتكشف هذه المواقف أن واشنطن لا تنظر إلى ملف السويداء باعتباره قضية أمنية محلية منفصلة، بل تربطه بصورة أوسع بمسألة شكل الدولة السورية وقدرتها على بسط مؤسساتها ومعالجة الخلافات الداخلية عبر مسارات سياسية وأمنية متفق عليها.
وهنا تواجه دمشق اختباراً مزدوجاً؛ فمن جهة، تريد تثبيت حضور مؤسسات الدولة في المحافظة وإنهاء حالة التوتر، ومن جهة أخرى تسعى إلى تجنب تحول الملف إلى ورقة ضغط إقليمية أو دولية على مسار إعادة بناء الدولة.
الأمن في مقدمة الاتصالات
ولا يقتصر التواصل السوري الأميركي على الدبلوماسية. فقد شهدت الأشهر الماضية لقاءات بين مسؤولين عسكريين وأمنيين من الطرفين تناولت مكافحة تنظيم داعش ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في سوريا، إلى جانب قضايا مرتبطة بأمن الحدود والقواعد العسكرية.
ويكتسب هذا المسار أهمية في ظل محاولة واشنطن إعادة صياغة وجودها في سوريا بما يتناسب مع التحولات السياسية التي طرأت على البلاد، بينما تحاول دمشق تثبيت مبدأ حصر الملفات الأمنية والعسكرية ضمن مؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن أي تفاهمات أمنية محتملة لا تبدو منفصلة عن النقاش السياسي والاقتصادي، بل يمكن أن تشكل جزءاً من صفقة أوسع يجري اختبار حدودها تدريجياً.
الاقتصاد يدخل مرحلة الاختبار
في المقابل، يمثل الاقتصاد المسار الثالث في العلاقة بين دمشق وواشنطن.
فرفع العقوبات الأميركية وإلغاء تصنيف سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب أزالا جزءاً مهماً من العوائق القانونية التي كانت تحد من تعامل الشركات والمؤسسات الدولية مع السوق السورية. لكن الانتقال من القرارات السياسية إلى الاستثمارات الفعلية يحتاج إلى وقت، بسبب مخاطر
السوق والبنية التحتية والقطاع المصرفي والبيئة القانونية.
وفي هذا السياق، تبرز التحركات الاقتصادية الخارجية باعتبارها مؤشراً على محاولة اختبار السوق السورية، وهو مسار ظهر أيضاً في لقاءات دمشق الأخيرة مع وفود اقتصادية دولية. ففي مطلع أيلول، بحث الشرع مع وفد اقتصادي ألماني فرص الاستثمار وتوسيع الشراكة، في مؤشر
على اتساع الاهتمام الخارجي بالمرحلة الاقتصادية الجديدة في سوريا.
أما الحديث عن زيارة وفد اقتصادي أميركي إلى دمشق، في حال تأكدت تفاصيلها، فسيكون أكثر أهمية من الناحية السياسية، لأنه سيختبر عملياً ما إذا كان الانفتاح الأميركي على دمشق بدأ ينتقل من مستوى القرارات الحكومية إلى مستوى القطاع الخاص.
نيويورك محطة لاختبار المسار
وسط هذه التطورات، تأتي زيارة الشرع إلى نيويورك في توقيت حساس، إذ تنطلق المناقشات العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول وتستمر على مدى عدة أيام.
ومن المرجح أن تمنح الزيارة دمشق فرصة لعرض رؤيتها بشأن إعادة بناء الدولة، وفتح الاقتصاد، والعلاقات الإقليمية والدولية، إضافة إلى الملفات الأمنية والإنسانية.
لكن الأهم أن نيويورك ستأتي بعد سلسلة من الاتصالات التي تجري بعيداً عن المنصة الأممية. فالاتصالات في أنقرة، والحوار الأمني، والانفتاح الاقتصادي، وملف السويداء، كلها ملفات ستحدد إلى حد كبير طبيعة الرسائل التي تستطيع دمشق تقديمها أمام المجتمع الدولي.
وبذلك، تبدو زيارة الشرع أقرب إلى محطة سياسية لتثبيت مرحلة جديدة في العلاقات السورية الأميركية، أكثر من كونها زيارة بروتوكولية إلى الأمم المتحدة. فالاختبار الحقيقي لن يكون في حجم اللقاءات التي ستجري في نيويورك، وإنما في مدى قدرة دمشق وواشنطن على تحويل الاتصالات المتزايدة إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ داخل سوريا وخارجها.