مصرف لبنان يراجع استثمارات المصارف ومصادر تمويلها

2026.09.09 - 08:38
Facebook Share
طباعة

أعاد مصرف لبنان فتح ملف مساهمات المصارف المباشرة وغير المباشرة في الشركات، واضعًا هذه الاستثمارات أمام مراجعة مالية وقانونية ورقابية موسعة، في خطوة قد تنعكس على أوضاع عدد من المؤسسات، خصوصًا إذا أظهرت البيانات وجود حصص متعثرة أو قيم دفترية تفوق قيمتها الفعلية.

أقرا أيضاً:مجلس الوزراء يبحث ملفات انتخابية واقتصادية وأمنية بعبدا

 

 

صدر التعميم الوسيط رقم 773 في 4 أيلول 2026 بتوقيع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، مستندًا، وفق النص الرسمي، إلى مراجعة قانونية وتنظيمية ومالية أظهرت وجود "أوجه قصور لدى بعض المصارف في ممارسة واجباتها الرقابية والإشرافية".

 

أقرا أيضاً:48 ساعة في البحر تنتهي بإنقاذ 21 سوريًا قبالة طرابلس

 

 

ألزم القرار المصارف المعنية بتقديم تقرير تفصيلي خلال مهلة 40 يومًا عن كل شركة تساهم فيها، على أن تُرفع تقارير دورية خلال 15 يومًا من نهاية كل فصل. وتشمل البيانات المطلوبة أسماء الشركات ومساهميها ومديريها، وقيمة الاستثمارات ومصادر تمويلها وكيفية استخدام الأموال، إلى جانب الخطط التشغيلية ومؤشرات الأداء والأرباح والخسائر والدعاوى القضائية والسيولة المتوقعة والمخاطر وخطط التخارج.

 

يمتد نطاق المراجعة إلى تحديد القيمة الحالية لهذه الاستثمارات ونتائجها المالية والجهات المستفيدة منها، بدل الاكتفاء بمعرفة وجهة الأموال. وفي هذا السياق، طلب مصرف لبنان أيضًا تحديد المبالغ المتوقع سدادها إليه وتواريخ استحقاقها، بما يتيح مراجعة التسهيلات التي سبق أن منحها للمصارف ومدى الالتزام بالشروط المرتبطة بها.

 

تظهر التداعيات المالية بصورة أوضح إذا كشفت البيانات أن بعض الحصص ما زالت مسجلة في دفاتر المصارف بقيم تفوق قيمتها الفعلية. عندها ستضطر المؤسسات المعنية إلى إعادة تقييم تلك الأصول وإثبات الخسائر الناتجة عنها، إلى جانب تكوين مؤونات إضافية عند الحاجة.

 

قد ينعكس هذا المسار على الرساميل ونسب الملاءة، باعتبار أن الأموال الموظفة في تلك الشركات تعود إلى المصارف نفسها، وسط فجوة مالية كبيرة يعانيها القطاع. كما أن ثبوت مخالفة شروط التسهيلات أو وجود تقصير في الرقابة على استخدام الأموال قد يرتب التزامًا إضافيًا بإعادة مبالغ إلى مصرف لبنان، بما قد يجمع بين خسارة قيمة الاستثمار واستحقاق مالي تجاه المركزي.

 

يشمل الفحص أيضًا الرسوم والعمولات المرتبطة بهذه الاستثمارات، إذ طلب التعميم الكشف عن رسوم الإدارة والأتعاب الاستشارية والحوافز ورسوم التأسيس وأتعاب وكلاء الطرح وأعضاء مجالس الإدارة والمحامين ومفوّضي المراقبة، إضافة إلى سائر المبالغ التي اقتُطعت من عائدات الاستثمار.

 

حدد مصرف لبنان سقف رسوم الإدارة بنسبة لا تتجاوز 2%، على أن يُحتسب هذا السقف على الأموال الموظفة فعليًا بعد حسم المساهمات المتعثرة والمؤونات المكوّنة عليها. ويضع هذا الإجراء النفقات المحمّلة على الشركات أمام مراجعة دقيقة، خصوصًا إذا أظهرت البيانات أن الرسوم استنزفت جزءًا من العائدات بالتزامن مع تراجع قيمة الاستثمارات أو تعثر الشركات.

 

يسلّط القرار الضوء كذلك على احتمال وجود تضارب في المصالح، من خلال إلزام المصارف بكشف هويات المساهمين والمديرين والجهات المولجة بالإدارة، وتحديد أي علاقة أو مصلحة قائمة أو محتملة. وقد تكشف هذه البيانات عن صلات بين بعض الشركات ومساهمين في المصارف أو أعضاء مجالس إدارتها، إضافة إلى أي منافع أو رسوم حصلت عليها جهات مرتبطة.

 

أخضع مصرف لبنان مجموعة من القرارات الأساسية المتعلقة بهذه الشركات لموافقته المسبقة، بما يشمل زيادة رأس المال، ورفع المديونية، وتعديل استراتيجية الاستثمار، وبيع الأصول، وإعادة الهيكلة، ونقل الأصول إلى الخارج، وتغيير الإدارة، وتعديل الرسوم، وإبرام الصفقات مع الجهات المرتبطة.

 

ترافق ذلك مع وقف منح تسهيلات جديدة مرتبطة بهذه المساهمات، ما يضع حدًا لاستمرار نمط التمويل السابق، لكنه قد يفرض ضغوطًا إضافية على الشركات التي تعتمد على جولات تمويل جديدة لمواصلة نشاطها. وفي حال أدى توقف التمويل إلى تعثرها، قد ترتفع خسائر المصارف وتصبح عملية التخارج من تلك الاستثمارات أكثر صعوبة.

 

على المستوى القانوني، يتيح القرار فرض عقوبات إدارية عند ثبوت المخالفات من دون إنذار مسبق، كما يفتح المجال أمام ملاحقة المصرف المخالف أمام القضاء المختص. وقد تمتد المسؤولية، بحسب طبيعة المخالفات التي تثبتها البيانات أو التحقيقات، إلى أعضاء مجالس الإدارة والمديرين ومفوّضي المراقبة في حال ظهور تقييمات غير دقيقة أو تقارير مخالفة أو تضارب مصالح أو سوء في استخدام الأموال.

 

صدور التعميم لا يعني إثبات حصول اختلاس أو هدر، لكنه يعكس انتقال مصرف لبنان إلى مرحلة أكثر تشددًا في التعامل مع هذا الملف، عبر طلب صورة شاملة عن مسار الأموال، والقيمة الفعلية للاستثمارات، والرسوم المدفوعة، والخسائر المحتملة، والجهات التي قد تتحمل مسؤوليتها.

تتجه الأنظار حاليًا إلى انتهاء مهلة الـ40 يومًا، إذ يفترض أن تكشف التقارير المطلوبة صورة أوضح عن حجم المخاطر. فإذا أظهرت البيانات وجود استثمارات متعثرة أو تقييمات مبالغ فيها أو رسوم غير مبررة أو مخالفات في إدارة الأموال، فقد تواجه المصارف استحقاقات متزامنة تشمل الاعتراف بالخسائر، وتكوين المؤونات، وتسديد المبالغ المستحقة لمصرف لبنان، إلى جانب العقوبات الإدارية أو الإجراءات القضائية المحتملة.

 

بذلك، يتجاوز الملف مسألة تنظيم مساهمات المصارف في الشركات، ليطال أوضاعها المالية ومسؤولية إداراتها وآليات إدارة الأموال، فيما يبقى الاختبار الفعلي مرتبطًا بما ستكشفه التقارير من أرقام وقيم وأسماء بعد انتهاء المهلة المحددة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 5 + 1