تحول يتجاوز التقنية
تدخل سوريا مرحلة جديدة في مسار التحول المالي مع التوسع في اعتماد الدفع والتحويل الإلكتروني، في محاولة لتقليص الاعتماد على النقد وإدخال جزء أكبر من الكتلة النقدية إلى قنوات مالية منظمة. ويأتي هذا التحول في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوري تضخماً مرتفعاً، وشحاً في السيولة، واتساعاً في التعاملات خارج النظام المصرفي، ما يضع المنظومة الرقمية أمام اختبار يتجاوز تحديث وسائل الدفع إلى التأثير في حركة الاقتصاد نفسها.
اقرأ أيضاً: سوريا تفتح "نافذة رقمية" لكشف مصير المفقودين
تضخم مرتفع
تشير أحدث التقديرات الرسمية إلى أن معدل التضخم السنوي في سوريا بلغ نحو 95%، في ظل استمرار التقلبات السعرية واختناقات العرض واضطرابات سلاسل التوريد.
وفي الوقت نفسه، يستحوذ الاقتصاد غير الرسمي على أكثر من 70% من النقد المتداول، الأمر الذي عزز توجه السلطات نحو توسيع استخدام وسائل الدفع والتحويل الإلكتروني، بالتزامن مع الضغوط الناتجة عن شح السيولة.
ولا يُنظر إلى الدفع الإلكتروني في هذا السياق باعتباره مجرد وسيلة أكثر سهولة للسداد، بل كأداة يمكن أن تساعد على تتبع حركة الأموال، وتقليص الاعتماد على النقد، وإعادة جزء من النشاط الاقتصادي إلى القنوات الرسمية.
اقرأ أيضاً: أزمة خبز في الحسكة.. العملة الجديدة تعطل الأفران
كتلة نقدية ضخمة
تُظهر البيانات الرسمية أن حجم النقد المتداول يبلغ نحو 42 تريليون ليرة بالعملة القديمة، أي ما يعادل نحو 13 مليار ورقة نقدية، بقيمة تقديرية تصل إلى نحو 3.9 مليار دولار.
وبعد حذف صفرين من العملة، يستقر حجم الكتلة النقدية عند نحو 420 مليار ليرة جديدة، فيما تتراوح تقديرات الناتج المحلي الإجمالي بين 21 و31 مليار دولار.
وبهذه المقارنة، يمثل النقد المتداول ما بين 13 و19% من حجم الاقتصاد، مقابل نسبة تتراوح عادة بين 5 و10% في الاقتصادات المستقرة.
ويعكس ذلك ما يعرف بـ"تفضيل السيولة"، أي ميل الأفراد إلى الاحتفاظ بالنقد خارج المصارف، وهو سلوك يرتبط بدرجة كبيرة بمستوى الثقة في النظام المالي، إلى جانب وجود كميات من العملات الأجنبية المتداولة خارج نطاق الإحصاءات الرسمية.
اقرأ أيضاً: درعا أمام أزمة مياه متصاعدة.. الآبار تستنزف المخزون
الرقمنة ما زالت محدودة
رغم الانتشار المتزايد لـ المحافظ الإلكترونية، فإن الدفع الرقمي الذي يحل فعلياً محل النقد في عمليات الشراء وسداد الالتزامات لا يزال محدوداً.
وبحسب تقدير خبراء الاقتصاد، لا تتجاوز المدفوعات الرقمية الفعلية بين 3 و6% من إجمالي معاملات التجزئة في سوريا، بينما يستحوذ النقد على أكثر من 94%.
ويشير ذلك إلى فجوة كبيرة بين عدد المستخدمين للمنصات الرقمية وبين حجم الأموال التي تنتقل فعلياً عبرها بدلاً من النقد.
ويُعد تطبيق "شام كاش" أحد أكبر اللاعبين في السوق، مع قاعدة مستخدمين تتجاوز 4.2 مليون مستخدم ونحو مليوني عملية تحويل يومياً، أي قرابة 700 مليون عملية سنوياً.
لكن غالبية هذه العمليات ترتبط بتحويلات صغيرة بين الأفراد وشحن الأرصدة والإيداع والسحب عبر الوكلاء، ما يعني أن القنوات الرقمية لا تزال في كثير من الحالات وسيلة للوصول إلى النقد، بدلاً من أن تكون بديلاً عنه.
هدف الـ15 مليون عملية
يبرز حجم الفجوة أيضاً في الخطط الدولية الرامية إلى تحديث القطاع المالي السوري.
فمنحة بقيمة 100 مليون دولار خُصصت لتطوير القطاع المالي، وتتضمن هدفاً يتمثل في الوصول إلى 15 مليون عملية دفع تجزئة إلكترونية سنوياً.
ويعكس تحديد هذا الرقم بوصفه هدفاً مستقبلياً أن قاعدة الدفع الإلكتروني الحقيقية لا تزال في مرحلة التأسيس، وأن الانتقال من اقتصاد يعتمد على الأوراق النقدية إلى اقتصاد رقمي يحتاج إلى وقت وبنية تحتية وثقة مصرفية واسعة.
المحافظ تتصدر
يختلف ترتيب أدوات الدفع في سوريا عن النماذج السائدة في الاقتصادات الأكثر تطوراً مصرفياً.
وتأتي المحافظ الإلكترونية عبر الهاتف في المرتبة الأولى، باعتبارها حسابات دفع مسبقة لا تتطلب امتلاك حساب مصرفي، وتعتمد على شبكة من الوكلاء ومكاتب الصرافة التي تؤدي دوراً شبيهاً بالفروع المصرفية.
وتأتي البطاقات المصرفية في المرتبة الثانية، لكن استخدامها محلياً يتركز بدرجة أكبر على السحب النقدي بدلاً من الدفع المباشر.
أما المرتبة الثالثة فتشغلها بوابات دفع الفواتير، التي تربط الجهات صاحبة الفواتير بقنوات السداد الإلكتروني، إلى جانب خدمات مرتبطة بقطاعات الاتصالات والكهرباء والمياه.
إطار تنظيمي جديد
يضع القرار الأخير الخاص بنظام الدفع والتحويل الإلكتروني إطاراً قانونياً جديداً للمنظومة المالية الرقمية في سوريا.
ويقوم الإطار على ترخيص ثلاث فئات رئيسية: مقدمو خدمات الدفع، ومقدمو خدمات النقود الإلكترونية، ومشغلو أنظمة الدفع.
ومن المتوقع أن تحدد التعليمات التنفيذية متطلبات رأس المال، وقواعد فصل أموال العملاء، ومعايير حماية البيانات والأمن السيبراني ومكافحة غسل الأموال.
ويمثل ذلك تحولاً مهماً للتطبيقات القائمة، إذ ينقلها من مساحة عمل تجارية محدودة التنظيم إلى كيانات مالية تخضع لمتطلبات رقابية وقانونية أكثر وضوحاً.
حماية أموال العملاء
تُعد حماية أرصدة المستخدمين أحد أبرز الاختبارات أمام المنظومة الجديدة.
ويشدد الخبراء على ضرورة تغطية أرصدة العملاء بنسبة 100% عبر حسابات أمانة منفصلة عن أصول الشركات المشغلة، بما يضمن عدم استخدام أموال العملاء في أنشطة أخرى.
كما أن استمرار فرض قيود على السحب قد يضعف الثقة في المحافظ الإلكترونية، إذا شعر المستخدم بأن الأموال المسجلة باسمه لا يمكن الوصول إليها بحرية عند الحاجة.
اختبار الشبكات العالمية
ومع بدء معالجة العمليات عبر شبكات الدفع العالمية مثل "فيزا" و"ماستركارد"، تبرز مخاوف من أن يؤدي التوسع الخارجي قبل اكتمال البنية المحلية إلى نتائج عكسية.
ويحذر التحليل الاقتصادي من أن فتح القبول الدولي قبل نضج منظومة الدفع المحلية قد يؤدي إلى نشوء نظام مالي رقمي مزدوج، وربما يعزز استخدام العملات الأجنبية بدلاً من الحد منه.
ويكمن التحدي في تحقيق التوازن بين الانفتاح على الشبكات المالية العالمية وبناء منظومة دفع محلية قادرة على استيعاب الجزء الأكبر من معاملات السوق.