عاد الملف النووي لكوريا الشمالية إلى واجهة التوتر الدبلوماسي في شرق آسيا، بالتزامن مع تحرك أمريكي لإحياء الاتصالات مع بيونغ يانغ، وسط تباين واضح في تقديرات حجم الترسانة النووية الكورية الشمالية بين ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وما تقدره كوريا الجنوبية.
وجاء الجدل بعدما قال ترمب إن كوريا الشمالية تمتلك 57 سلاحاً نووياً، واصفاً إياها بأنها أسلحة «قوية للغاية»، فيما أعلن وزير الدفاع الكوري الجنوبي آن غيو باك أن تقديرات بلاده تشير إلى امتلاك بيونغ يانغ ما بين 80 و120 سلاحاً نووياً.
وأوضح الوزير أن الرقم الدقيق لا يمكن تحديده، مشيراً إلى وجود اختلاف بين التقديرات الأمريكية والكورية الجنوبية في هذا الملف.
اقرأ أيضاً: ترامب يخفف المناورات مع سيؤول رغم تهديد بيونغ يانغ
أرقام يصعب التحقق منها
نادراً ما تعلن الحكومات أرقاماً محددة بشأن الترسانة النووية لكوريا الشمالية، نظراً إلى الطبيعة السرية للمعلومات المتعلقة ببرنامجها النووي وكمية المواد الانشطارية التي تمتلكها.
كما أن الإعلان عن تقدير محدد لا يعني اعترافاً رسمياً ببيونغ يانغ دولة نووية. ولهذا شدد وزير الدفاع الكوري الجنوبي على أن بلاده لا يمكنها الاعتراف رسمياً بكوريا الشمالية كدولة نووية.
وتتفاوت تقديرات الخبراء أيضاً. فقد أشار تقرير صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس الأمريكي عام 2025 إلى أن بيونغ يانغ قد تكون أنتجت مواد انشطارية تكفي لصناعة ما يصل إلى 90 رأساً حربياً، بينما قدرت مصادر متخصصة أنها ربما جمعت نحو 50 رأساً.
وفي حزيران، قدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن كوريا الشمالية ربما تمتلك نحو 60 رأساً حربياً، إضافة إلى مواد انشطارية تكفي لإنتاج ما لا يقل عن 30 رأساً آخر.
ويعكس هذا التباين صعوبة تحديد حجم الترسانة الفعلية، خصوصاً في ظل غياب بيانات رسمية معلنة من بيونغ يانغ.
اقرأ أيضاً: سيؤول ترحب بتقليص المناورات وتدعو لحوار ترامب وكيم
ترمب يفتح نافذة جديدة
في الجانب السياسي، يعيد ترمب طرح احتمال عقد لقاء جديد مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي الذي بدأ خلال ولايته الأولى.
وقال ترمب إن العلاقة بين واشنطن وبيونغ يانغ جيدة، وربط ذلك أيضاً بقراره خفض حجم المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، مشيراً إلى تكلفة هذه التدريبات وإلى علاقته مع كيم.
كما رفض تأكيد ما إذا كان قد تلقى رسالة حديثة من الزعيم الكوري الشمالي، مكتفياً بالقول إنه على علاقة جيدة معه.
وتشير تقارير أمريكية إلى أن الإدارة تبحث إمكانية عقد لقاء بين الرجلين خلال الخريف، وربما بالتزامن مع مشاركة ترمب في اجتماعات آسيوية مقررة في تشرين الثاني، إلا أن الترتيبات الرسمية لم تبدأ، وفق المعطيات المتاحة.
سول تتمسك بالردع
وتتعامل كوريا الجنوبية بحذر مع التحرك الأمريكي، إذ تؤكد عدم نيتها تطوير أسلحة نووية خاصة بها، مقابل مواصلة تعزيز قدراتها الدفاعية في إطار التحالف مع الولايات المتحدة والاعتماد على الردع النووي الأمريكي.
ويعكس هذا الموقف رغبة سول في الحفاظ على المظلة الأمنية الأمريكية، من دون أن يؤدي الاعتراف الضمني بكوريا الشمالية كدولة نووية إلى تغيير التوازن السياسي والقانوني القائم.
وفي المقابل، قالت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي، إنها لا تعلم بوجود اتصالات حديثة بين واشنطن وبيونغ يانغ.
وأضافت أن العلاقة بين كيم وترمب كانت جيدة، لكنها انتقدت استمرار المناورات العسكرية الأمريكية الكورية الجنوبية، معتبرة أنها تمثل تهديداً لأمن بلادها.
من نزع السلاح إلى إدارة الخطر
واجهت المفاوضات السابقة عقبة رئيسية تمثلت في اختلاف أولويات الطرفين.
فواشنطن تمسكت بنزع السلاح النووي الكوري الشمالي، بينما طالبت بيونغ يانغ بتخفيف العقوبات والضمانات الأمنية قبل تقديم تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي.
وانتهت قمة هانوي عام 2019 من دون اتفاق، بعد عدم التوصل إلى صيغة مشتركة بشأن حجم التفكيك النووي المطلوب مقابل تخفيف العقوبات.
ومنذ ذلك الحين، واصلت كوريا الشمالية تطوير قدراتها الصاروخية والنووية، في حين بقيت العقوبات الدولية المفروضة عليها قائمة.
وتخضع بيونغ يانغ لعقوبات صادرة عن مجلس الأمن منذ عام 2006 بسبب برامجها النووية والصاروخية.
اختبار جديد للدبلوماسية
ويمنح احتمال عودة ترمب إلى طاولة المفاوضات مع كيم المسار الدبلوماسي فرصة جديدة، لكنه يواجه بيئة مختلفة عن عامي 2018 و2019.
فحجم القدرات النووية والصاروخية الكورية الشمالية تطور منذ القمم السابقة، كما أن مسألة تحديد الهدف الأمريكي من أي مفاوضات جديدة باتت أكثر تعقيداً.
وفي حال انعقاد لقاء جديد، سيكون السؤال الأساسي هو ما إذا كانت واشنطن ستتمسك بمطلب نزع السلاح النووي الكامل، أم ستتجه إلى صيغة تركز على الحد من تطوير الترسانة وإدارة المخاطر المرتبطة بها.
أما كوريا الجنوبية، فتبدو معنية بالحفاظ على الردع الأمريكي من جهة، وتجنب أي ترتيبات قد تمنح بيونغ يانغ اعترافاً فعلياً بوضع نووي من جهة أخرى.
وبينما يراهن ترمب على علاقته الشخصية مع كيم لإعادة فتح قنوات الحوار، تبقى الأرقام المتباينة حول الترسانة النووية مؤشراً على واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في أي مفاوضات مقبلة: حجم القدرات التي يتعين التعامل معها قبل الحديث عن نزع السلاح أو الحد منه.