علي الطاهر تختبر الجولة الثامنة من مفاوضات بيروت

2026.08.20 - 13:10
Facebook Share
طباعة

تدخل الاتصالات الأميركية على خط التوتر المتصاعد بين لبنان وإسرائيل في محاولة لتوفير أرضية تسمح بانتقال المفاوضات إلى جولتها الثامنة، لكن الحركة الدبلوماسية المكثفة لا تبدو أقرب إلى وساطة تقليدية بقدر ما تعكس محاولة أميركية لإدارة مسار بالغ التعقيد، تتقاطع فيه شروط وقف العمليات العسكرية مع ملف سلاح حزب الله ومستقبل الانتشار العسكري في الجنوب.
وتتحرك واشنطن عبر قنوات متعددة، من بينها جولات رئيس مجموعة التنسيق العسكري الجنرال جوزيف كليرفيلد، واتصالات السفير ميشال عيسى، إلى جانب زيارة وفد مجموعة العمل الأميركية من أجل لبنان برئاسة إدوارد غبريال. وتوحي كثافة هذه الاتصالات بأن الإدارة الأميركية تريد اختبار مواقف الأطراف قبل الدخول في جولة جديدة، وتحديد ما يمكن تحويله من الطروحات السياسية إلى ترتيبات قابلة للتطبيق ميدانياً.

اقرأ أيضاً: من "المصنع" إلى السعودية.. عودة الصادرات اللبنانية


واشنطن تختبر فرص التفاهم
تطرح الإدارة الأميركية مساراً يقوم على ربط أي انسحاب إسرائيلي تدريجي بخطوات لبنانية تتعلق بحصر السلاح وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله، مع توسيع آليات التحقق لتشمل مناطق تتجاوز جنوب الليطاني.
لكن هذا الطرح يصطدم برؤية لبنانية مختلفة للتسلسل المطلوب. فرئيس مجلس النواب نبيه بري يطرح وقف الحرب وانسحاب إسرائيل إلى الحدود الدولية باعتبارهما المدخل، على أن يتولى الجيش اللبناني بعدها الانتشار جنوب الليطاني وفرض الأمن باعتباره القوة المسلحة الوحيدة في المنطقة.
وتحاول بيروت من خلال هذه الصيغة تقديم مخرج يوازن بين متطلبات السيادة اللبنانية والضغوط الأمنية الإسرائيلية، فيما تسعى واشنطن إلى الحصول مسبقاً على ضمانات بشأن ما يمكن أن يطبّق على الأرض قبل الدفع باتجاه انسحاب إسرائيلي.

اقرأ أيضاً: تصعيد إسرائيلي جنوب لبنان.. تجريف وإحراق منازل


بري يضع شروط بيروت
وفي لقاءاته مع الجانب الأميركي، أبدى بري استعداداً للتعامل مع فكرة «المناطق التجريبية»، لكنه ربط نجاحها بانتقال السيطرة الفعلية إلى الجيش اللبناني، بما يتيح وقف العمليات العسكرية وتهيئة الظروف أمام معالجة آثار الحرب.
وتكمن أهمية موقف بري في موقعه باعتباره أحد أبرز قنوات التواصل السياسية مع حزب الله، ما يجعل أي تفاهم لا يحظى بقبول الأطراف اللبنانية الأساسية معرضاً لصعوبات كبيرة عند الانتقال من المستوى السياسي إلى التنفيذ الميداني.
غير أن الخلاف لا يتعلق فقط بالمبدأ، بل بترتيب الخطوات أيضاً. فبيروت تريد أن يكون الانسحاب الإسرائيلي مقدمة للانتشار العسكري اللبناني، بينما تفضّل واشنطن وتل أبيب الحصول أولاً على إجراءات ملموسة تتعلق بالسلاح وآليات الرقابة، قبل تثبيت مسار الانسحاب.

اقرأ أيضاً: الرئيس اللبناني في روما.. لقاءان بارزان يرسمان مسار الزيارة


علي الطاهر تتحول إلى عقدة
وسط هذا التجاذب، برزت مرتفعات علي الطاهر باعتبارها نقطة اختبار تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة.
فالسيطرة على المرتفعات ومحيطها ترتبط بحسابات تتعلق بالانتشار والقدرة على مراقبة المنطقة، ولذلك تحولت إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في المفاوضات. وفي الوقت الذي تطرح فيه بيروت انتشار الجيش اللبناني بوصفه البديل القادر على ضبط المنطقة، تسعى إسرائيل إلى تثبيت واقع ميداني يمنع عودة ما تعتبره تهديداً أمنياً.
أما حزب الله، فلا يبدو مستعداً للتعامل مع الملف باعتباره تنازلاً منفصلاً عن بقية عناصر التسوية، في حين تحاول الدولة اللبنانية استخدام انتشار الجيش كحل يمكن أن يتيح استعادة السيطرة الأمنية من دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية.
وهكذا أصبحت علي الطاهر اختباراً للتسلسل الذي ستسير عليه التسوية أكثر من كونها مجرد موقع عسكري.


«المناطق التجريبية» أمام أسئلة التنفيذ
ولا تزال صيغة «المناطق التجريبية» تواجه مجموعة من الأسئلة العملية، أبرزها الجهة التي ستتولى الإشراف، وطبيعة آليات التحقق، وكيفية التعامل مع المواقع العسكرية والمخازن ومخلفات الحرب.
وتتمسك بيروت بالحفاظ على دور اليونيفيل لمنع نشوء فراغ أمني في الجنوب، بينما يبرز الدور الإيطالي باعتباره أحد الخيارات المطروحة ضمن أي آلية مستقبلية للتحقق، بالتوازي مع النقاش حول دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته.
وفي هذا الإطار، يأتي الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي المقرر في باريس في 17 أيلول ضمن مسار أوسع يربط بين تثبيت الأمن، وتعزيز قدرات المؤسسات اللبنانية، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار.
كما تحمل زيارة الرئيس جوزف عون إلى روما دلالة إضافية، في ظل الحديث عن إمكانية مشاركة إيطاليا في آلية التحقق ودعم المؤسسة العسكرية. وكان عون قد ربط إعادة الإعمار بانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش حتى الحدود، إلا أن السؤال الأساسي يبقى متعلقاً بترتيب هذه الخطوات وحدود المهمة الموكلة إلى الجيش.


الميدان يضغط على التفاوض
ولا تمنح التطورات الميدانية الأطراف فرصة طويلة للمناورة السياسية. فاستمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب، بما في ذلك التفجيرات والتحركات التي سجلت في حولا وطلوسة وكفرتبنيت، إلى جانب الأنشطة التي وثقتها اليونيفيل، يبقي المفاوضات تحت ضغط عسكري متواصل.
وهذا الوضع يضع بيروت وواشنطن أمام معادلتين مختلفتين: الأولى تنطلق من الانسحاب الإسرائيلي ثم انتشار الجيش اللبناني، والثانية تربط الانسحاب بخطوات مسبقة في ملف السلاح والتحقق.
وبين هاتين المقاربتين، تتحول الجولة الثامنة إلى اختبار فعلي لقدرة واشنطن على تقريب المواقف، وليس مجرد محطة إضافية في سلسلة الاتصالات.
أما علي الطاهر، فقد أصبحت النقطة التي يمكن عندها قياس مدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة. فإذا أمكن التوصل إلى صيغة تضمن انتشار الجيش اللبناني وتمنع استمرار العمليات الإسرائيلية، فقد تفتح الطريق أمام ترتيبات أوسع. أما استمرار فرض الوقائع العسكرية قبل التفاوض، فقد يدفع المسار برمته إلى جولة جديدة من التصعيد، ويجعل أي تسوية بعيدة عن متناول الأطراف في المدى القريب. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 3 + 5