لبنان: عملاء الاحتلال أمام العدالة.. العفو لا يمحو الجرائم

2026.08.19 - 13:17
Facebook Share
طباعة

أعاد قانون العفو العام الذي أقرّه مجلس النواب اللبناني الأسبوع الفائت ملف الفارين إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب اللبناني عام 2000 إلى الواجهة، وسط نقاش واسع حول حدود العفو وشروط العودة، ولا سيما بالنسبة إلى الأشخاص الذين ارتبطوا خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي بأجهزة أمنية أو تشكيلات عسكرية عملت إلى جانب الاحتلال.

اقرأ أيضاً : لبنان.. اقتصاد يعيش على فجوة الخارج

 

وفي هذا السياق، تبرز ضرورة التمييز بين العفو العام والبراءة والحصانة، لكن من دون تحويل هذا التمييز إلى غطاء سياسي أو قانوني لمن ارتكب جرائم بحق اللبنانيين. فالعفو العام إجراء تشريعي يحدد مجلس النواب نطاقه والفئات التي يشملها، لكنه لا يعني تلقائياً أن المستفيد منه بريء من الأفعال المنسوبة إليه، كما لا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإغلاق ملفات الانتهاكات الخطيرة أو طمس حقوق الضحايا.

 

ويشير القانون إلى استثناء عدد من الجرائم الخطيرة من نطاق العفو، وفي مقدمتها القتل العمد بحق المدنيين أو العسكريين والخيانة والتجسس، ما يعني أن القول إن القانون «عفا عن جميع العملاء» لا يعكس حقيقة مضمونه.

 

العملاء أمام المسؤولية الفردية

 

لا ينبغي التعامل مع ملف الفارين إلى إسرائيل باعتباره قضية واحدة متشابهة لجميع الأشخاص، لكن المسؤولية الفردية تعني أيضاً ضرورة التحقيق في الدور الذي أداه كل شخص خلال سنوات الاحتلال.

 

فالسؤال لا يتعلق فقط بكون الشخص غادر لبنان إلى إسرائيل عام 2000، وإنما بما إذا كان قد انخرط في «جيش لبنان الجنوبي» أو الأجهزة الأمنية المرتبطة بالاحتلال، أو حمل السلاح، أو شارك في اعتقال اللبنانيين، أو التحقيق معهم، أو تعذيبهم، أو قتلهم، أو نقل المعلومات إلى أجهزة الاحتلال.

 

وبالتالي، فإن مجرد العودة إلى لبنان لا ينبغي أن تكون بمثابة صفحة بيضاء تلغي ما سبقها، كما أن العفو عن فعل محدد لا يعني إسقاط المسؤولية عن جرائم أخرى لم يشملها القانون.

 

وتبرز هنا أهمية الفصل بين من غادر لبنان دون ثبوت مشاركته في أعمال عسكرية أو أمنية، وبين من انخرط في تشكيلات عسكرية أو أمنية مرتبطة بالاحتلال، وبين من ارتبط هذا الانخراط بارتكاب انتهاكات بحق المعتقلين والمدنيين.

 

العودة ليست حصانة

 

فتح باب العودة أمام بعض الفارين لا يعني منحهم حصانة تلقائية من الملاحقة، ولا سيما في حال وجود مذكرات توقيف أو أحكام أو دعاوى قضائية مرتبطة بأفعال لا يشملها العفو.

 

وفي المقابل، فإن التعامل القانوني مع العائدين يجب أن يستند إلى التحقيق والأدلة والأفعال المنسوبة إلى كل شخص، وليس إلى قوائم سياسية أو اتهامات إعلامية غير مثبتة.

اقرأ أيضاً : مفاوضات أيلول تبحث ترتيبات تلة علي الطاهر

 

لكن هذا المبدأ لا ينبغي استخدامه لتخفيف خطورة التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي خلال فترة الاحتلال، خصوصاً عندما يتحول هذا التعاون إلى مشاركة مباشرة في قمع اللبنانيين أو اعتقالهم أو تعذيبهم أو ملاحقتهم.

 

فالفارق كبير بين شخص اضطر إلى المغادرة أو غادر لأسباب لا علاقة لها بالعمل الأمني والعسكري، وبين شخص اختار الانخراط في منظومة عسكرية وأمنية عملت إلى جانب الاحتلال وساهمت في السيطرة على أبناء الجنوب وملاحقتهم.

 

من «التعامل» إلى الجرائم المرتكبة

 

وتكمن أهمية التحقيق في تحديد الأفعال التي ارتكبها كل شخص، إذ لا ينبغي اختزال الملف كله بعبارة «التعامل مع العدو».

 

فمن شارك في اعتقال لبنانيين أو التحقيق معهم أو تعذيبهم أو ضربهم أو حرمانهم من العلاج، يجب أن يخضع للتحقيق بشأن هذه الأفعال تحديداً، لا أن تُطوى القضية بمجرد إدراجها تحت عنوان عام يتعلق بالتعامل مع الاحتلال.

 

والأمر نفسه ينطبق على حالات القتل أو التسبب بوفاة معتقلين أو المشاركة في إخفاء آثار الجرائم أو تنفيذ الأوامر التي أدت إلى وقوعها.

كما أن المسؤولية لا تتوقف بالضرورة عند الشخص الذي نفذ الفعل مباشرة، بل يمكن أن تمتد، وفق الأدلة والقانون، إلى من أصدر الأوامر أو شارك في تنفيذها أو ساهم في ارتكاب الجريمة أو التستر عليها.

 

وهنا تصبح الملفات المرتبطة بمعتقل الخيام وغيره من مراكز الاعتقال خلال الاحتلال الإسرائيلي ذات أهمية خاصة، باعتبارها تتضمن شهادات ووقائع عن الاعتقال والتعذيب وسوء المعاملة وانتهاكات أخرى تعرض لها لبنانيون.

 

حقوق الضحايا أولاً

 

لا يمكن أن يقتصر النقاش حول العفو على حقوق الدولة أو الأشخاص المشمولين به، إذ هناك ضحايا وعائلات فقدت أبناءها، ومعتقلون سابقون يحملون آثار سنوات من الاعتقال والتعذيب.

 

ولهؤلاء حقوق في معرفة الحقيقة، والتحقيق في الانتهاكات، والوصول إلى العدالة، والحصول على التعويض وجبر الضرر، ولا ينبغي أن يؤدي أي مسار للمصالحة إلى إسقاط هذه الحقوق، خصوصاً في الجرائم الخطيرة.

 

ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة فحص الملفات بشكل فردي، وتحديد هوية الشخص ودوره والأفعال المنسوبة إليه والضحايا والأدلة المتوافرة والنصوص القانونية التي تنطبق عليه، قبل تحديد ما إذا كان الفعل مشمولاً بالعفو أم مستثنى منه.

 

كما يمكن أن يشكل إنشاء قاعدة بيانات موثقة لضحايا معتقل الخيام والمراكز المرتبطة بالاحتلال خطوة أساسية في حفظ الذاكرة، على أن تتضمن شهادات المعتقلين، والوثائق الطبية، وأسماء الشهود، والوقائع المثبتة، وتسلسل المسؤولية عن الانتهاكات.

 

المصالحة لا تعني طمس الذاكرة

 

بعد أكثر من عقدين على تحرير الجنوب، يعود الملف اليوم في ظروف سياسية وقانونية مختلفة، لكن ذلك لا يلغي مسؤولية الدولة عن حماية حقوق الضحايا ومحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة.

 

فالمصالحة الوطنية يمكن أن تفتح الباب أمام عودة من تنطبق عليهم شروط القانون، لكنها لا تعني تحويل العودة إلى تسوية شاملة تمحو الجرائم أو تمنح المتورطين في القتل والتعذيب وانتهاكات حقوق المعتقلين حماية تلقائية.

 

وبذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام تطبيق قانون العفو لا يتمثل فقط في تحديد من يستطيع العودة، وإنما في ضمان ألا تتحول العودة إلى إفلات من العقاب، وألا يُطلب من ضحايا الاحتلال أن يدفعوا مرة أخرى ثمن ما تعرضوا له عبر إغلاق ملفاتهم دون تحقيق أو مساءلة.

 

فالجنوب الذي عاش سنوات الاحتلال، واحتفظ بذاكرة المعتقلات والاعتقالات والتعذيب والقتل، يحتاج إلى مصالحة تحفظ الاستقرار، لكن من دون محو الحقيقة أو إسقاط حقوق الضحايا. 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 2