الحرب والمناخ يهددان أهرامات مروي في السودان

2026.08.18 - 18:55
Facebook Share
طباعة

تواجه أهرامات مروي في شمال السودان تدهوراً متزايداً بفعل الأمطار الغزيرة والرطوبة وزحف الرمال، بالتزامن مع توقف أعمال الصيانة المنتظمة منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، ما يثير مخاوف بشأن سلامة أحد أبرز الشواهد على حضارة مملكة كوش.

 

يضم الموقع أكثر من 200 هرم شُيدت على مراحل مختلفة من تاريخ المملكة، وتظهر في محيط عدد منها كميات من الرمال المتراكمة، بينما تتجمع مياه الأمطار في المناطق المنخفضة وتتسرب إلى أجزاء من المنشآت.

 

وتنمو الأعشاب بين الأحجار وحول قواعد الأهرامات، بالتزامن مع ظهور تشققات في بعض الكتل الحجرية وتبلور للأملاح داخل الحجر الرملي، وهي عوامل قد تؤثر في تماسك البناء وتسرّع تفتت مكوناته.

 

وتقول نائبة مدير العلاقات الدولية والمنظمات بقطاع السياحة ليلى عثمان عبيد إن الدراسات أظهرت تغيرات مستمرة في الحجر النوبي الرملي المستخدم في تشييد الأهرامات منذ القرن الرابع قبل الميلاد، نتيجة عوامل مناخية وطبيعية مختلفة.

 

وتوضح عثمان أن طبيعة الحجر والمواد اللاصقة المستخدمة في البناء، وهي خليط من الجير والطمي والرمل، تجعل بعض المكونات أكثر عرضة للتشقق.

 

كما تؤثر طريقة استخراج الأحجار من المحاجر ووضعها أحياناً في اتجاه مغاير لطبقاتها الطبيعية في تماسكها، بينما تؤدي الرياح المحملة بالرمال والأتربة إلى تآكل الأسطح وطمس النقوش والمنحوتات.

 

سجل الموقع خلال عامي 2024 و2025 ارتفاعاً في معدلات الأمطار وتراكم الرمال والكثبان حول الأهرامات، ما أدى إلى زيادة مستويات الرطوبة في المنطقة.

 

تتغلغل مياه الأمطار من قمم بعض الأهرامات إلى طبقاتها الداخلية، حيث يمكن أن تصل إلى الردم الواقع بين جدران الحجر الرملي وتؤثر في تماسك البناء.

 

ويؤدي تشبع الأحجار بالرطوبة إلى تكوّن الأملاح داخلها، ومع تمددها وانكماشها تتسع الشقوق ويتسارع تفتت الحجر.

 

وزادت الحرب من صعوبة التعامل مع هذه الأضرار، بعدما أثرت في الموارد المالية والقدرات البشرية المسؤولة عن حماية المواقع الأثرية.

 

كشف مدير إدارة الآثار محمود سليمان إن الهيئة فقدت عدداً من كوادرها بسبب النزوح والهجرة القسرية، ما انعكس على قدرتها على تشكيل فرق منتظمة لمراقبة المواقع وإجراء أعمال الصيانة.

 

ويواجه الموقع ضغوطاً إضافية مرتبطة بزحف الرمال والأمطار الغزيرة، في وقت تحد فيه محدودية الموارد المالية من تنفيذ أعمال الحماية والصيانة المطلوبة.

 

وتبرز حالة الهرم رقم 19 باعتبارها واحدة من الحالات التي تعكس حجم المخاطر، بعدما انفصلت أجزاء من واجهته الأمامية وبوابته عن جسم الهرم.

 

ويربط سليمان الأضرار التي لحقت بالهرم بوقوعه في منطقة منخفضة تتجمع فيها مياه الأمطار وتتدفق إلى داخله.

 

تعمل فرق الآثار بجهود ذاتية على إنشاء مصارف مؤقتة للمياه، في محاولة للحد من تأثيرها، إلى حين توفير معالجة أكثر استدامة.

 

أطلقت الهيئة المختصة نداءات عاجلة للحصول على الدعم، لكن الاستجابة الدولية بقيت محدودة، وفق سليمان، فيما واجهت مشروعات مرتبطة باليونسكو صعوبات بسبب عدم استقرار التمويل.

 

ولا تقتصر التهديدات على العوامل الطبيعية وتداعيات الحرب، إذ تسهم بعض الممارسات البشرية في إلحاق أضرار بالموقع.

 

ويشير سليمان إلى تسلق بعض الزوار للأهرامات والكتابة على أحجارها، وهي ممارسات تؤثر بصورة مباشرة في المكونات الأثرية.

 

تواجه مواقع أثرية أخرى في شمال السودان ظروفاً مشابهة، بينها جبل البركل ونوري والنقعة والمصورات الصفراء، مع اختلاف طبيعة المخاطر من موقع إلى آخر.

 

وتتعرض بعض المواقع لتأثير الأمطار والسيول والرطوبة، بينما تواجه أخرى الرياح والتعرية وزحف الرمال، إلى جانب الزيارات غير المنظمة.

 

الحرب أدت إلى تعطيل أعمال المراقبة والصيانة وتوقف عدد من المشروعات والبعثات الأثرية، ما قلل القدرة على التدخل في الوقت المناسب عند ظهور أضرار جديدة.

ولم تبدأ المشكلات التي تواجه أهرامات مروي مع الحرب، إذ وثقت تقارير سابقة سقوط كتل حجرية من قمم عدد من الأهرامات، بينها الأهرامات 11 و12 و13.

 

 

وتشير اليونسكو إلى أن الموقع شهد عبر تاريخه انهيار أجزاء من بعض المقابر، كما تعرض لأضرار كبيرة خلال عمليات البحث عن الكنوز والنهب خلال القرن التاسع عشر.

 

 

لكن الظروف الحالية تختلف بسبب تراجع القدرة على التدخل السريع، مع تزامن الأضرار الطبيعية مع تداعيات الحرب ونقص الموارد والكوادر المتخصصة.

 

 

تحتاج حماية الموقع إلى استعادة أعمال المتابعة والصيانة الدورية، وتأمين الموارد والخبرات اللازمة لمعالجة مياه الأمطار وزحف الرمال، إلى جانب حماية الأحجار والنقوش والحد من الممارسات التي تعرض المنشآت للتلف.

 

 

وتبقى أهرامات مروي شاهداً رئيسياً على تاريخ مملكة كوش، فيما يهدد استمرار التدهور بفقدان أجزاء من هذا الإرث الأثري إذا لم تُستأنف أعمال الحماية والترميم بصورة منتظمة.


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 2