غارة تعيد حسابات القوة في سوريا
أعادت الغارة الجوية التي استهدفت مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب النقاش حول مستقبل القدرات الجوية السورية وحدود الحضور العسكري التركي في البلاد، وسط ترجيحات بأن يكون الاستهداف مرتبطاً بمحاولات منع إعادة تأهيل القاعدة وتحويلها مجدداً إلى منشأة عسكرية فاعلة.
ووقعت الضربة فجر الثلاثاء، واستهدفت المطار الواقع شمال غربي سوريا، في وقت لم يصدر فيه إعلان إسرائيلي رسمي يتبنى الهجوم. وتحدثت تقارير عن تركّز القصف على مدرج المطار والبنية التحتية للقاعدة، من دون وضوح كامل بشأن حجم الأضرار أو الخسائر البشرية.
اقرأ أيضاً: "أبو الظهور" تحت القصف.. من استهدف المطار السوري؟
مسؤولية إسرائيل
دخل المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك على خط التطورات، معبراً عن قلقه من الهجوم، وواصفاً إياه بأنه تصعيد غير ضروري، في موقف حمل إشارة واضحة إلى تحميل إسرائيل مسؤولية الضربة.
وتزامن ذلك مع غياب أي مؤشرات على وجود طائرات حربية أو مروحيات عاملة داخل القاعدة، ما دفع إلى التركيز على طبيعة الهدف والرسالة التي يمكن أن تكون الضربة قد حملتها.
اقرأ أيضاً: دمشق تندد بضربات إسرائيلية استهدفت مطار أبو الظهور
لماذا أبو الظهور؟
ووفقاً لمحللون، يكتسب اختيار المطار أهمية خاصة رغم وضعه غير العملياتي حالياً، إذ تشير المعطيات إلى أن الاستهداف طال مدرج الطيران والبنية التحتية اللازمة لإعادة تشغيل القاعدة.
وكان أبو الظهور من القواعد الجوية السورية التي استضافت في السابق مقاتلات من طرازي «ميغ-23» و«ميغ-21»، قبل أن يتعرض لأضرار واسعة خلال سنوات الحرب ويتحول إلى منشأة غير ناشطة.
وتقع القاعدة على بعد نحو 100 كيلومتر من الحدود التركية ونحو 300 كيلومتر من الحدود الإسرائيلية، ما يمنح موقعها أهمية إضافية في الحسابات العسكرية المرتبطة بشمال سوريا.
عودة سلاح الجو
تأتي الضربة في ظل تقارير عن مساعٍ لإعادة بناء سلاح الجو السوري، تشمل تجنيد الطيارين وأفراد الأطقم وإجراء تدريبات جوية، إلى جانب تنفيذ مناورات شاركت فيها طائرات من طراز «سوخوي» في شمال البلاد.
ويثير هذا المسار اهتماماً إسرائيلياً متزايداً، خصوصاً مع احتمال أن تؤدي استعادة سوريا جزءاً من قدراتها الجوية إلى تغيير تدريجي في ميزان القوى داخل المجال الجوي السوري.
ولا يقتصر الأمر على المقاتلات، إذ تبرز أيضاً مسألة إعادة تأهيل البنية التحتية الجوية التي يمكن أن تشكل الأساس لعودة النشاط العسكري إلى عدد من القواعد التي خرجت من الخدمة خلال سنوات الحرب.
تركيا في الحسابات
في المقابل، تراقب إسرائيل تنامي الحضور العسكري التركي في سوريا، وسط تقارير عن احتمال نشر مقاتلات تركية وإنشاء بنى تحتية عسكرية ومنظومات للدفاع الجوي داخل الأراضي السورية.
ويثير هذا الاحتمال مخاوف إسرائيلية من نشوء واقع عسكري جديد قد يحد من حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي في الأجواء السورية، ولا سيما إذا اجتمعت القدرات الجوية السورية المتنامية مع وجود تركي متقدم ومنظومات دفاع جوي حديثة.
كما يفتح احتمال وجود مقاتلات تركية في قواعد سورية الباب أمام سيناريوهات أكثر حساسية، في ظل التوتر القائم بين أنقرة وتل أبيب واحتمال احتكاك الطائرات التابعة للجانبين في الأجواء السورية.
ضربة استباقية؟
في ضوء هذه المعطيات، يبرز احتمال أن تكون الضربة قد استهدفت منع إعادة تأهيل أبو الظهور قبل تحوله إلى قاعدة عملياتية، بدلاً من التعامل مع قدرات عسكرية موجودة فعلياً في الموقع.
وبحسب هذا السيناريو، فإن الهدف الأساسي لا يتمثل في تدمير طائرات أو مروحيات، وإنما في ضرب المدرج والمنشآت والحظائر وغيرها من البنى الضرورية لإعادة تشغيل القاعدة مستقبلاً.
غير أن هذا التفسير يبقى في إطار التقديرات، إذ لا تتوافر حتى الآن معلومات حاسمة تثبت أن المطار كان على وشك العودة إلى الخدمة أو أن الضربة ارتبطت بصورة مباشرة بخطط إعادة بناء سلاح الجو السوري أو الحضور العسكري التركي.
رسالة أبعد من المطار
وفي حال تأكدت المسؤولية الإسرائيلية، فقد تحمل الضربة رسالة تتجاوز حدود أبو الظهور، مفادها أن إسرائيل قد تتحرك لمنع بناء قدرات عسكرية سورية مستقبلية، وليس فقط لاستهداف منظومات أو منشآت ناشطة في الوقت الراهن.
كما قد تعكس العملية، إذا ثبت هذا التقدير، رغبة إسرائيلية في الحفاظ على هامش واسع من التفوق الجوي ومنع تشكل بنية عسكرية جديدة يمكن أن تحد من حرية عملياتها في سوريا.
اختبار جديد
ويأتي توقيت الضربة بعد تقارير عن تسارع جهود إعادة بناء القدرات الجوية السورية، ما يزيد من حساسية العملية ويضعها في سياق أوسع يتعلق بمستقبل التوازنات العسكرية في البلاد.
وبين مساعي دمشق لاستعادة قدراتها العسكرية، والتحركات التركية المحتملة، والمخاوف الإسرائيلية من تغير البيئة الجوية السورية، يبدو أن مطار أبو الظهور تحول إلى نقطة تقاطع بين حسابات أمنية متنافسة، قد تتجاوز أهميتها حدود المنشأة نفسها.