تتزايد في محافظة دير الزور خلال الفترة الأخيرة مؤشرات على تحولات سكانية واقتصادية تتجاوز حدود الهجرة التقليدية، مع لجوء عائلات وأصحاب رؤوس أموال إلى بيع منازل وأراضٍ وعقارات، بالتزامن مع انتقالهم إلى دمشق ومحافظات سورية أخرى، في ظاهرة تثير تساؤلات بشأن قدرة المحافظة على الاحتفاظ بمواردها البشرية والمالية خلال المرحلة المقبلة.
وبحسب معطيات محلية ومصادر أهلية، فإن عمليات بيع الممتلكات لم تعد تقتصر على الحالات الفردية المرتبطة بالحاجة إلى السيولة أو ظروف المعيشة، بل شملت عدداً من العائلات الميسورة وأصحاب الأعمال، بينهم أشخاص يمتلكون عقارات وأراضي ومشاريع تجارية داخل المحافظة.
وتشير المعلومات إلى أن بعض المالكين يفضلون تحويل ممتلكاتهم إلى أموال قابلة للنقل والاستثمار خارج دير الزور، في ظل محدودية النشاط الاقتصادي وغياب مشاريع كبيرة قادرة على استيعاب رؤوس الأموال المحلية، وهو ما يضيف بعداً اقتصادياً إلى موجة المغادرة التي شهدتها المحافظة خلال سنوات الحرب وما بعدها.
انتقال السكان والثروة معاً
وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أن مغادرة أصحاب رؤوس الأموال لا تعني فقدان السكان فقط، وإنما خروج جزء من القدرة الاستثمارية التي تحتاج إليها المحافظة لإعادة تنشيط اقتصادها.
فدير الزور، التي تعرضت قطاعات واسعة من بنيتها التحتية والأسواق والمنشآت الإنتاجية لأضرار كبيرة خلال سنوات الصراع، تحتاج إلى تدفقات مالية واستثمارات محلية لإعادة تشغيل الورش والمحال والمنشآت الخدمية والإنتاجية، فضلاً عن خلق فرص عمل أمام السكان.
لكن استمرار انتقال الأموال إلى مدن أخرى قد يؤدي إلى نتيجة معاكسة، إذ تتحول المحافظة من سوق تحتاج إلى الاستثمار إلى مصدر للثروة التي يجري توجيهها نحو أسواق عقارية وتجارية أكثر استقراراً.
ولا يقتصر الأمر على الأموال النقدية، إذ تتحدث المعطيات المحلية عن بيع عقارات قديمة وممتلكات ذات قيمة تاريخية وتراثية، ما يفتح نقاشاً آخر يتعلق بالحفاظ على الطابع العمراني والاجتماعي للمحافظة، في ظل التغيرات السكانية والاقتصادية المتسارعة.
اقرأ أيضاً:العدالة الانتقالية تحرك ملف حويجة وتدعو الضحايا للشهادة
غياب الحوافز يضغط على المستثمرين
ويرتبط قرار البقاء أو المغادرة بالنسبة لكثير من أصحاب الأعمال بمجموعة من العوامل، في مقدمتها مستوى الاستقرار، وتوفر الخدمات، وإمكانية الوصول إلى الأسواق، وضوح الإجراءات الإدارية، إلى جانب قدرة البيئة الاقتصادية على توفير عائد مقبول على الاستثمار.
وفي دير الزور، لا تزال هذه العناصر تواجه تحديات كبيرة، بينما يشتكي سكان وأصحاب أعمال من ضعف المشاريع التنموية ومحدودية النشاط التجاري والصناعي، الأمر الذي يجعل الاستثمار في المحافظة أكثر صعوبة مقارنة بمناطق أخرى.
ويعتقد متابعون للشأن الاقتصادي المحلي أن استمرار هذا الوضع قد يدفع مزيداً من المستثمرين إلى اتخاذ قرار بيع ممتلكاتهم بدلاً من إعادة تشغيلها، خصوصاً إذا لم تترافق مرحلة التعافي مع إجراءات تشجع أصحاب رؤوس الأموال على ضخ أموال جديدة داخل المحافظة.
خسارة قد تتجاوز حدود الاقتصاد
وتحمل هجرة رأس المال آثاراً تتجاوز الحسابات التجارية المباشرة. فعندما يغادر صاحب المشروع، تختفي معه شبكة من فرص العمل والعلاقات التجارية والخبرات التي تراكمت على مدى سنوات.
كما أن تراجع الاستثمار الخاص يضع ضغطاً أكبر على الاقتصاد المحلي، الذي يحتاج إلى نشاط تجاري وإنتاجي مستمر لتحريك الأسواق وتوفير مصادر دخل للسكان.
ومن هذه الزاوية، فإن بيع العقارات والأراضي بصورة متزايدة قد يكون مؤشراً على ضعف الثقة بالمستقبل الاقتصادي، وليس مجرد حركة طبيعية في سوق العقارات.
ويخشى سكان محليون من أن يؤدي استمرار هذا المسار إلى تكريس حلقة يصعب كسرها: ضعف الاستثمار يؤدي إلى تراجع فرص العمل، ما يشجع مزيداً من السكان على المغادرة، فيما تؤدي المغادرة بدورها إلى تقليص حجم السوق المحلية وإضعاف جاذبية المحافظة أمام المستثمرين.
إعادة الإعمار أمام اختبار رأس المال المحلي
وتبدو قدرة دير الزور على جذب أبنائها ورؤوس أموالهم واحدة من الملفات الأساسية التي ستحدد شكل التعافي الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.
اقرأ أيضاً:فديات بمئات آلاف الدولارات.. الخطف يهدد السوريين
فإعادة الإعمار لا تعتمد فقط على تمويل خارجي أو مشاريع حكومية، بل تحتاج أيضاً إلى رأس المال المحلي والخبرات التي تعرف طبيعة السوق واحتياجات السكان، إضافة إلى أصحاب المهن والتجار والمستثمرين الذين يمكنهم إعادة تشغيل قطاعات اقتصادية متوقفة.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار بيع الممتلكات والمغادرة قد يقلص قاعدة المستثمرين المحليين في وقت تحتاج فيه المحافظة إلى توسيعها.
وتشير الصورة الحالية إلى أن معالجة المشكلة لا تتعلق بمنع السكان من المغادرة، وإنما بإيجاد أسباب اقتصادية وأمنية وخدمية تجعل البقاء والاستثمار خياراً أكثر جدوى. فكلما تأخر توفير هذه البيئة، ازدادت احتمالات تحول الهجرة الفردية إلى اتجاه اقتصادي واجتماعي أوسع، بما قد يجعل استعادة رؤوس الأموال والكفاءات لاحقاً أكثر صعوبة.
وفي المحصلة، لا تبدو قضية بيع الممتلكات في دير الزور مجرد حركة عقارية عابرة، بل مؤشر يحتاج إلى متابعة، خصوصاً إذا استمرت بالتزامن مع خروج السكان وأصحاب الأعمال. فمستقبل إعادة الإعمار لن يرتبط بحجم الأضرار التي خلفتها الحرب فقط، وإنما أيضاً بمدى بقاء الموارد البشرية والمالية داخل المحافظة وقدرتها على المشاركة في بناء اقتصادها من جديد.