الودائع أمام معادلة جديدة في مشروع إصلاح المصارف اللبناني

2026.08.17 - 16:53
Facebook Share
طباعة

يدخل ملف إعادة هيكلة القطاع المصرفي في لبنان مرحلة تشريعية جديدة مع مشروع تعديل قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها، الذي يقترح آليات للتعامل مع المصارف المتعثرة، من إعادة الرسملة والدمج إلى الشطب والتصفية، مع تحديد ترتيب لتحمل الخسائر يطال الودائع في حالات معينة، وربط تنفيذ الأحكام الأكثر حساسية بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.

 

يستهدف المشروع تعديل مواد واسعة من القانون رقم 23 الصادر في 14 أغسطس/آب 2025، إلى جانب إعادة تعريف مصطلحات وتوسيع الإطار القانوني الناظم لإصلاح المصارف أو تصفيتها.

 

يركز النص على تعزيز استقرار النظام المالي، معالجة تعثر المؤسسات المصرفية، ضمان استمرار وظائفها الأساسية، حماية الودائع خلال مرحلتي الإصلاح والتصفية، وتقليص الاعتماد على الأموال العامة لإنقاذ المصارف المتعثرة.

اقرأ أيضاً:لبنان يرفض الفراغ الأممي: بديل اليونيفيل على الطاولة

 

يعيد المشروع تنظيم «الهيئة المصرفية العليا» عبر غرفتين؛ تختص الأولى بالقرارات العقابية بحق المؤسسات المالية المخالفة، بينما تتولى الثانية القرارات المتعلقة بإصلاح المصارف أو تصفيتها والإشراف على التنفيذ.

 

تملك الغرفة الثانية صلاحية إخضاع أي مصرف للإصلاح أو التصفية بناءً على تقييم وضعه المالي وحجم خسائره، بعد تلقي توصيات لجنة الرقابة على المصارف والاستعانة بمقيمين مستقلين من مؤسسات تقييم دولية ذات سمعة مهنية.

 

يعتبر المصرف متعثراً أو معرضاً للتعثر وفق مجموعة معايير، بينها عدم القدرة على استيفاء الحد الأدنى من الأموال الخاصة أو السيولة، واحتمال العجز عن سداد الالتزامات عند استحقاقها، وعدم القدرة على تحقيق الربحية والمحافظة عليها، أو الإخلال بصورة جوهرية بشروط الترخيص.

 

وتبرز أداة «الإنقاذ الداخلي» باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية، إذ تسمح للهيئة بخفض قيمة الأموال الخاصة والمطلوبات أو تحويل المطلوبات إلى أدوات رأسمالية.

اقرأ أيضاً:عون: التمديد لليونيفيل خيارنا الأول في جنوب لبنان

 

تشمل الخيارات أيضاً إعادة رسملة المصرف عبر إصدار أسهم جديدة، ونقل بعض أو كامل موجوداته وحقوقه ومطلوباته إلى مؤسسة أخرى، أو دمجه مع مصرف آخر.

 

وفي حال اللجوء إلى «الإنقاذ الداخلي»، يمكن أن تشمل الآلية ودائع العملاء، إلا أن تطبيق هذه الأحكام يبقى مرتبطاً بإقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، ما يربط مصير هذا المسار بالتشريع المنتظر لمعالجة الفجوة المالية.

 

يحدد الملحق المرفق بالمشروع ترتيباً لتحمل الخسائر يبدأ بأموال المساهمين والأسهم والأدوات الرأسمالية، ثم الديون المرؤوسة، قبل الانتقال إلى فئات أخرى من المطلوبات.

 

وتأتي ودائع كبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والمديرين العامين ومساعديهم أو نوابهم وأزواجهم وأولادهم في مرتبة تسبق ودائع العملاء العاديين عند توزيع الخسائر.

 

تحتل الودائع غير المؤمنة أو غير المحمية المرتبة السابعة، بينما تأتي الودائع المؤمنة أو المحمية في المرتبة الثامنة ضمن التسلسل المحدد.

 

يستثني المشروع في المرحلة الحالية «الأموال الجديدة» وودائع العملاء بالليرة اللبنانية من آلية تحمل الخسائر إلى حين إقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.

ويعرّف النص «الأموال الجديدة» بأنها الأموال بالعملات الأجنبية التي يثبت وصولها عبر تحويلات من الخارج أو إيداعات نقدية بعد 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

 

يمنح المشروع الهيئة المصرفية العليا صلاحيات واسعة عند وضع مصرف تحت الإصلاح، تشمل التدخل في إدارته، واستبدال أعضاء مجلس الإدارة أو الإدارة العليا، وفرض بيع الأصول، بما فيها الموجودة في الخارج، وتعليق بعض العمليات وإعادة تنظيم الملكية.

 

تشمل الصلاحيات أيضاً تعديل آجال استحقاق بعض المطلوبات، بما فيها الودائع، وفرض تعليق مؤقت لبعض العمليات لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر، إضافة إلى وقف مفاعيل إجراءات قانونية قائمة أو مستقبلية لمدة قد تصل إلى ثمانية أشهر عند الضرورة.

 

يفتح النص كذلك المجال لاسترداد مبالغ دُفعت بصورة مخالفة للقانون أو لتعاميم مصرف لبنان أو لقواعد الحوكمة إلى أعضاء مجالس الإدارة والإدارة العليا خلال فترة تصل إلى عشر سنوات.

ويمكن استعادة الأموال التي جرى تحويلها بصورة تمييزية أو غير عادلة إلى أطراف أخرى، إذا ألحقت تلك التحويلات ضرراً بمودعين أو دائنين لم يتمكنوا من إجراء تحويلات مماثلة بعد 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019.

 

كما يتيح للهيئة المصرفية العليا رفع دعاوى أمام المحاكم اللبنانية أو الأجنبية بحق كبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والإدارة العليا والمفوضين بالتوقيع ومفوضي المراقبة الذين شغلوا مناصبهم خلال السنوات العشر السابقة، عند وجود أسباب منطقية للاشتباه بتورطهم في جرائم مدنية أو جزائية.

 

أما إذا تعذر إصلاح المصرف، فيمكن للهيئة شطبه من لائحة المصارف والانتقال إلى تصفيته، مع تعيين لجنة تتولى إدارة العملية وبيع الأصول وتوزيع الحصيلة وفق ترتيب محدد للمساهمين والدائنين والمودعين.

 

تضم لجنة التصفية ممثلاً عن الدائنين وآخر عن المساهمين وممثلاً عن المودعين، إضافة إلى خبراء وممثل للمؤسسة الوطنية لضمان الودائع.

 

ويلزم المشروع المصفي أو اللجنة بوضع جدول زمني لبيع الأصول وتوزيع العائدات وفق التراتبية المعتمدة، مع مساعدة المؤسسة الوطنية لضمان الودائع في عمليات الدفع.

 

وفي حال ظهور شبهات جدية خلال التصفية، يمكن فرض منع مؤقت للتصرف بأموال كبار المساهمين وأعضاء مجالس الإدارة والإدارة العليا والمفوضين بالتوقيع ومفوضي المراقبة، إلى جانب منعهم من السفر لمدة لا تتجاوز ستة أشهر.

 

يتيح النص كذلك طلب الحجز الاحتياطي على أموال هؤلاء الأشخاص داخل لبنان أو خارجه، وملاحقتهم مدنياً أو جزائياً عند توافر الشروط القانونية.

 

ويحدد المشروع آلية للطعن أمام محكمة مصرفية خاصة، على ألا يؤدي تقديم الطعن تلقائياً إلى وقف تنفيذ القرار، إلا إذا قررت المحكمة خلاف ذلك في حالات محددة، مع إمكانية تعويض المتضررين عند ثبوت تعرضهم لخسائر نتيجة قرارات مخالفة للقانون.

 

وتكمن إحدى أبرز النقاط في المادة 29، التي تنص على نشر القانون في الجريدة الرسمية مع تعليق تنفيذه إلى حين إقرار ونشر قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.

 

وتشرح الأسباب الموجبة أن الأزمة المالية المستمرة منذ سنوات قيّدت قدرة المودعين على التصرف بأموالهم وألحقت أضراراً كبيرة بالقطاع المصرفي، معتبرة أن المعالجة التشريعية تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: تعديل قانون السرية المصرفية، وإعادة هيكلة المصارف، ثم معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع.

 

تعتبر الحكومة أن إصلاح القطاع المصرفي يمثل المرحلة الثانية ضمن هذا المسار، على أن تأتي معالجة الفجوة المالية في مرحلة لاحقة لإعادة التوازن إلى النظام المالي.

 

بذلك يضع المشروع قواعد أكثر تفصيلاً للتعامل مع المصارف المتعثرة وتوزيع الخسائر، لكنه يبقي تطبيق الأحكام الأكثر ارتباطاً بودائع العملاء معلقاً على إقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي سيحدد الإطار الأوسع لمعالجة الفجوة المالية وحقوق المودعين.

 


 

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 9