الدين في خطاب نتنياهو.. من غزة إلى إيران

2026.08.16 - 22:39
Facebook Share
طباعة

 لم يعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يكتفي بالمصطلحات الأمنية والعسكرية التقليدية عند تفسير الحروب والعمليات التي تخوضها إسرائيل، إذ يحضر القاموس الديني بصورة متزايدة في خطابه السياسي، من الإشارات إلى «عماليق» في حرب غزة، إلى استدعاء نصوص توراتية خلال الحديث عن المواجهة مع حزب الله وإيران، وصولاً إلى استخدام عبارة دينية لتفسير ما وصفه بتغيير العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

وفي مؤتمر نظمته وكالة الأخبار اليهودية في القدس في حزيران 2026، تحدث نتنياهو عن تحول في مفهوم الأمن الإسرائيلي، مستخدماً عبارة عبرية قديمة تعني أن من يأتي لقتلك يجب أن تبادر إلى قتله. وربط رئيس الوزراء هذا المبدأ بنص من التلمود، قبل أن يؤكد أن إسرائيل باتت تعتمد نهج المبادرة والهجوم الاستباقي ضد من تعتبرهم تهديداً لها.

ويكشف هذا الاستخدام عن تطور في طريقة تقديم الحرب للجمهور الإسرائيلي، إذ لا يعود الصراع مجرد مواجهة عسكرية أو حسابات أمنية، بل يُوضع أحياناً ضمن إطار ديني وتاريخي أوسع، يمنح العمليات العسكرية معنى يتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.

 

اقرأ أيضا: السلام وفق إسرائيل.. انسحاب مؤجل واحتلال مستمر

 

من غزة بدأت الإشارات الأوضح

برز هذا الاتجاه بصورة لافتة بعد اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول 2023، عندما استخدم نتنياهو لغة مستمدة من النصوص الدينية لوصف طبيعة المواجهة.

ففي خطاب متلفز بعد بداية الحرب، تحدث عن الصراع باعتباره مواجهة بين النور والظلام، مستحضراً في الوقت نفسه إشارات إلى نبوءات توراتية. وبعد أيام، خاطب الجنود الإسرائيليين مستدعياً قصة «عماليق»، وهم قوم يرد ذكرهم في التوراة باعتبارهم من أعداء بني إسرائيل.

وقال نتنياهو للجنود إن عليهم تذكر ما فعله عماليق ببني إسرائيل، وهي إشارة اكتسبت أهمية سياسية وقانونية لاحقاً بسبب طبيعة استخدامها في سياق الحرب.

ولم تكن تلك الإشارة معزولة عن الخطاب السياسي العام، إذ تكرر حضور المفردات الدينية في تصريحات نتنياهو خلال العمليات العسكرية في غزة، قبل أن ينتقل استخدامها إلى ملفات أخرى في المنطقة.

 

القاموس نفسه في مواجهة حزب الله وإيران

في أيلول 2024، وخلال حديثه عن الضربات التي استهدفت قيادات حزب الله، وعن المواجهة مع أنصار الله، استشهد نتنياهو بعبارة توراتية تتحدث عن ملاحقة الأعداء والقضاء عليهم.

ثم ظهر هذا القاموس بصورة أكثر وضوحاً في الخطاب المرتبط بإيران، حيث استحضر نتنياهو شخصيات من قصة أستير ومردخاي وهامان المرتبطة بعيد البوريم، وربطها بالتهديد الذي تمثله إيران بالنسبة إلى إسرائيل.

وفي سياق آخر، استخدم نتنياهو مرة أخرى مفهوم «عماليق»، لكن بصورة تتجاوز استدعاء الذاكرة التاريخية، عندما تحدث عن ضرورة محوه، في تعبير يضع المواجهة الراهنة ضمن سردية دينية قديمة.

وهنا تكمن أهمية الخطاب: فالإشارة الدينية لا تقدم بالضرورة تفسيراً مستقلاً للقرار العسكري، لكنها تمنح العملية إطاراً رمزياً يجعلها تبدو امتداداً لصراع تاريخي متواصل.

 

عندما تصبح أسماء العمليات جزءاً من الرسالة

لم يتوقف توظيف المفردات الدينية عند الخطابات والتصريحات، بل ظهر أيضاً في تسمية بعض العمليات العسكرية.

وقبيل الهجوم الإسرائيلي على إيران في حزيران 2025، ظهر نتنياهو وهو يضع ورقة في حائط البراق تحمل عبارة مقتبسة من سفر العدد تتحدث عن انتفاض الشعب كالأسد. وأصبحت العبارة لاحقاً أساساً لتسمية العملية العسكرية.

وفي غزة أيضاً، حملت عمليات إسرائيلية أسماء مستمدة من الموروث الديني والتاريخي، بينها «عربات جدعون»، في إشارة إلى شخصية جدعون الواردة في الكتاب العبري.

وتحول الاسم في هذه الحالة من مجرد تعريف عسكري للعملية إلى جزء من السردية التي تقدمها القيادة للجمهور، بحيث يرتبط الحدث العسكري الحالي بشخصيات وقصص دينية وتاريخية معروفة داخل المجتمع الإسرائيلي.

 

لماذا يحتاج الخطاب السياسي إلى الدين؟

يرى باحثون في الخطاب السياسي والديني أن استدعاء النصوص المقدسة خلال الحروب يمكن أن يؤدي وظائف تتجاوز البعد العقائدي.

فإضفاء طابع ديني على المواجهة يساعد في تعبئة الجمهور، وتقديم الحرب باعتبارها استجابة لتهديد وجودي، وربط القرارات العسكرية بسردية تاريخية أوسع.

ويشير باحثون في هذا المجال إلى أن هذا النوع من الخطاب يستطيع تبسيط نزاع سياسي وجغرافي معقد وتحويله إلى مواجهة أخلاقية بين طرفين يُقدَّم أحدهما باعتباره الخير والآخر باعتباره الشر.

لكن ذلك لا يعني أن الحروب الإسرائيلية تُدار وفق عقيدة دينية خالصة. فقرارات الحرب ترتبط أيضاً بحسابات عسكرية وأمنية وسياسية وإقليمية، فيما يمكن استخدام النص الديني لتفسير هذه القرارات وتعبئة الجمهور حولها.

وتكمن المشكلة عندما تتحول الاستعارات الدينية إلى لغة لتجريد الخصم من إنسانيته، لأن تصوير الحرب باعتبارها صراعاً مقدساً يمكن أن يضيّق هامش التسوية ويجعل التراجع أو التنازل يبدو كأنه تخلي عن مبدأ ديني أو وجودي.

 

من مكتب نتنياهو إلى المؤسسة العسكرية

ولم يبق هذا الخطاب محصوراً في تصريحات رئيس الوزراء، إذ ظهرت مفردات دينية وقومية مماثلة في بعض الأوساط العسكرية الإسرائيلية.

وتداولت وسائل إعلام ومواقع التواصل رسائل ومقاطع مرتبطة بجنود وقادة عسكريين تضمنت إشارات إلى «عماليق» أو عبارات دينية مرتبطة بالحرب، كما وُزعت على بعض الجنود مواد ذات مضمون ديني خلال القتال.

وفي إحدى الرسائل العسكرية المتداولة، وُصفت الحرب بأنها مواجهة لتطهير الأرض من عدو يُقدَّم باعتباره معادياً لله، بينما تضمنت مواد أخرى عبارات تتحدث عن تقليص مساحة الرحمة في ظروف الحرب.

ولا يعني انتشار هذه المفردات أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بأكملها تعمل وفق عقيدة دينية واحدة، لكنه يعكس حضور التيار الديني القومي داخل قطاعات من المجتمع والجيش، وقدرته على التأثير في لغة التعبئة والتفسير المستخدمة خلال الحرب.

 

«عماليق» أمام القضاء الدولي

انتقل الجدل حول استخدام المفردات الدينية من ساحات القتال إلى المؤسسات الدولية.

فخلال قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، استُحضرت تصريحات نتنياهو المتعلقة بعماليق ضمن النقاش حول ما إذا كانت بعض التصريحات السياسية يمكن أن تشكل دليلاً على النية في ارتكاب أفعال محظورة بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية.

ودافع محامو إسرائيل عن تصريحات نتنياهو باعتبارها أُخرجت من سياقها، وأشاروا إلى أن رئيس الوزراء تحدث أيضاً عن التزام الجيش الإسرائيلي بما وصفه بالمعايير الأخلاقية.

لكن الجدل القانوني حول هذه التصريحات أظهر أن اللغة الدينية المستخدمة في أوقات الحرب لا تبقى داخل حدود الخطاب السياسي المحلي، بل يمكن أن تتحول إلى عنصر في النقاش الدولي حول طبيعة العمليات العسكرية وأهدافها.

 

خطاب الحرب كجزء من المعركة

من «تذكروا ما فعله عماليق» في سياق حرب غزة، إلى استدعاء القصص الدينية في مواجهة إيران، وصولاً إلى عبارة «اقتله أولاً» عند شرح العقيدة الأمنية، يبدو أن نتنياهو يستخدم منظومة متكررة من الرموز الدينية والتاريخية لتفسير السياسة العسكرية الإسرائيلية.

ولا يكفي هذا الاستخدام وحده لإثبات أن النصوص الدينية هي التي تحدد القرارات العسكرية، فالحسابات الأمنية والسياسية والاستراتيجية تبقى عوامل أساسية في صنع القرار.

لكن تكرار هذه الإشارات يكشف تحولاً مهماً في طريقة صياغة الرواية الرسمية للحرب. فحين تُقدَّم المواجهة باعتبارها امتداداً لصراع تاريخي أو تهديداً وجودياً، تصبح العمليات العسكرية جزءاً من قصة أكبر من حدود المعركة نفسها.

وهنا يتحول الدين من مرجعية ثقافية أو روحية إلى أداة في بناء الخطاب السياسي للحرب؛ أداة قادرة على تعبئة الجمهور، وإعادة تعريف الخصم، ومنح القرارات العسكرية شرعية رمزية، لكنها في المقابل قد تجعل التسوية السياسية أكثر صعوبة عندما يصبح الصراع مصوراً باعتباره معركة لا تقبل المراجعة أو التراجع.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 8 + 3