الحماية تتراجع.. ما مصير اللاجئين السوريين؟

2026.08.16 - 18:19
Facebook Share
طباعة

 دخل ملف اللاجئين السوريين في أوروبا والولايات المتحدة مرحلة جديدة منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، مع انتقال عدد من الدول من سياسة استقبال طلبات اللجوء أو تمديد الحماية إلى مراجعة أوضاع السوريين المقيمين لديها، وربط استمرار الحماية بتقييم جديد للوضع الأمني والإنساني في سوريا.

وتستند الحكومات التي بدأت هذه الإجراءات إلى فرضية أساسية مفادها أن التغيير السياسي الذي شهدته سوريا أزال، في بعض الحالات، الأسباب التي أدت إلى منح الحماية الدولية. غير أن هذا الطرح يفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول مدى اعتبار التحسن السياسي كافياً وحده لإنهاء الحماية، في بلد لا تزال أجزاء واسعة منه تواجه تحديات أمنية واقتصادية وإنسانية كبيرة.


اقرأ أيضا:
قسد تعلن التحول.. لا انفصال ولا دولة كردية
الأمن السوري يوسع ملاحقة المرتبطين بالنظام السابق

 

ألمانيا ترفع وتيرة مراجعة الحماية

في ألمانيا، أظهرت بيانات حكومية أن الهيئة الاتحادية للهجرة واللاجئين راجعت خلال النصف الأول من العام الحالي 8320 حالة حماية لسوريين، وانتهت إلى سحب أو إلغاء الحماية في نحو 23.2% منها.

وتكتسب هذه النسبة أهميتها عند مقارنتها بالسنوات السابقة، إذ بلغت نسبة القرارات التي انتهت إلى سحب أو إلغاء الحماية نحو 3.7% خلال عام 2025 و3.1% عام 2024.

وتشير هذه الأرقام إلى تغير واضح في طريقة تعامل السلطات الألمانية مع الملف، بعدما كانت مراجعات الحماية تتركز بدرجة أكبر على حالات محددة، مثل الأشخاص المدانين بجرائم، أو من تعتبرهم السلطات خطراً أمنياً، إضافة إلى الحالات التي ثبتت فيها عودة صاحب الحماية إلى سوريا.

ومنذ منتصف حزيران/يونيو الماضي، اتجهت المراجعات الألمانية إلى نطاق أوسع، مستندة إلى تقييم رسمي يرى أن الظروف في سوريا شهدت تحسناً يسمح بإعادة النظر في بعض أوضاع الحماية.

لكن سحب الحماية لا يعني بالضرورة الترحيل الفوري، إذ تختلف الإجراءات بحسب الوضع القانوني لكل شخص، وقد يكون أمام من يفقد الحماية خيارات قانونية أخرى للإقامة.

 

الولايات المتحدة تنهي الحماية المؤقتة

وفي الولايات المتحدة، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب مساراً أكثر مباشرة مع دخول قرار إنهاء الحماية المؤقتة الممنوحة للسوريين حيز التنفيذ.

وتستهدف هذه الخطوة السوريين المشمولين بنظام الحماية المؤقتة الذين لا يملكون وضعاً قانونياً بديلاً، مع منحهم مهلة لمغادرة البلاد طوعاً قبل إمكانية اتخاذ إجراءات ترحيل بحق من لا يغادر.

ويختلف هذا النظام عن اللجوء التقليدي، إذ تمنح الحماية المؤقتة لفئات من مواطني دول تعتبر العودة إليها غير آمنة بسبب ظروف استثنائية، ولذلك فإن إنهاءها يرتبط بتقييم الحكومة الأمريكية للظروف التي استدعت منحها أساساً.

وبذلك، لا يقتصر التغير في السياسة الأمريكية على دراسة طلبات جديدة، وإنما يمتد إلى وضع سوريين موجودين بالفعل داخل الولايات المتحدة.

 

من تعليق اللجوء إلى تشجيع العودة

ولم تبدأ التحولات الأوروبية مع القرارات الأخيرة، إذ سارعت عدة دول بعد سقوط النظام السابق إلى تعليق أو إعادة تقييم طلبات اللجوء السورية، في انتظار اتضاح طبيعة المرحلة السياسية والأمنية الجديدة.

ومع مرور الوقت، تحولت المراجعة من إجراء مؤقت إلى سياسة أوسع في عدد من الدول، خصوصاً مع صعود الأحزاب والتيارات التي تضع تشديد سياسات الهجرة واللجوء في مقدمة برامجها السياسية.

وفي هذا السياق، بدأت بعض الحكومات بالتفكير في استخدام الحوافز المالية لتشجيع العودة الطوعية. وأعلنت النمسا عن مساعدات للعائدين، فيما طُرحت في ألمانيا مقترحات لتقديم دعم مالي أكبر للراغبين في العودة.

ويعكس ذلك تحولاً في المقاربة الأوروبية من محاولة إدارة وجود اللاجئين إلى البحث عن آليات تقلل أعدادهم تدريجياً، سواء من خلال سحب بعض أشكال الحماية أو عبر تقديم حوافز للعودة.

 

هل التحسن السياسي يعني عودة آمنة؟

المعضلة الأساسية لا ترتبط فقط بسقوط النظام السابق، وإنما بالسؤال عما إذا كانت سوريا أصبحت بالفعل قادرة على استقبال ملايين الأشخاص الذين غادروها خلال سنوات الحرب.

فالتغير السياسي لا يعني تلقائياً زوال المخاطر الأمنية أو استعادة البنية التحتية والخدمات الأساسية. وتواجه البلاد تحديات مرتبطة بالسكن والكهرباء والمياه والصحة والتعليم وفرص العمل، فضلاً عن استمرار التفاوت في مستويات الاستقرار بين منطقة وأخرى.

وحذرت لجنة الإنقاذ الدولية في وقت سابق من الصعوبات التي تواجه العائدين، مشيرة إلى أن أعداداً كبيرة منهم تعيش في مساكن متضررة أو غير آمنة، بينما لا تزال الخدمات الأساسية محدودة، في وقت تحتاج فيه عملية إعادة الإعمار إلى موارد ضخمة.

وهنا يظهر الخلاف بين الرؤية السياسية لبعض الحكومات الغربية وبين المعايير التي يفترض أن تحكم العودة الآمنة. فاعتبار تغيير النظام السياسي دليلاً كافياً على زوال أسباب الحماية قد يتجاهل الظروف الفردية لكل لاجئ، وكذلك طبيعة المخاطر الموجودة في المنطقة التي ينحدر منها.

 

العودة الطوعية تحت ضغط جديد

ولا تعني العودة التي تتم من دون قرار ترحيل بالضرورة أنها اختيار حر بالكامل. ففقدان وضع الحماية، وصعوبة تجديد الإقامة، وتراجع المساعدات الاجتماعية، وتشديد قوانين الهجرة، يمكن أن تدفع بعض اللاجئين إلى اتخاذ قرار العودة رغم عدم اقتناعهم بأن ظروف الحياة في سوريا أصبحت مستقرة بما يكفي.

وتزداد أهمية هذه النقطة مع انتقال النقاش الأوروبي من سؤال «هل يستطيع السوري العودة؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً يتعلق بمدى قدرة سوريا على تأمين حياة مستقرة ومستدامة للعائدين.

كما أن العودة الجماعية في ظل ضعف الخدمات قد تخلق ضغوطاً إضافية على المجتمعات المحلية، ولا سيما في المناطق التي تعاني أصلاً من محدودية الموارد وارتفاع معدلات البطالة وتضرر البنية التحتية.

 

اختبار جديد لسياسات الغرب

ويضع التحول الحالي الحكومات الغربية أمام اختبار مزدوج: فمن جهة، تريد هذه الحكومات الاستجابة لتغير المشهد السياسي في سوريا وتقليص أعداد اللاجئين، ومن جهة أخرى، عليها ضمان ألا تتحول العودة إلى نتيجة غير مباشرة لضغوط قانونية أو اقتصادية تمارس على الأشخاص الذين ما زالت ظروفهم لا تسمح بالعودة.

وبالنسبة إلى السوريين، فإن المرحلة المقبلة قد تكون مختلفة جذرياً عن السنوات السابقة. فالحماية التي شكلت أساس إقامتهم في دول عدة لم تعد مضمونة بالدرجة نفسها، بينما أصبحت العودة إلى سوريا خياراً تدفع باتجاهه سياسات أوروبية وأمريكية متزايدة.

لكن نجاح هذه المقاربة لن يتحدد فقط بعدد السوريين الذين يغادرون دول اللجوء، بل بقدرة سوريا على توفير الأمن والخدمات والسكن وفرص العمل، وبوجود ضمانات قانونية تحول دون تعرض العائدين لمخاطر جديدة.

وفي المحصلة، يبدو أن الغرب بدأ يتعامل مع الملف السوري بمنطق جديد: سقوط النظام السابق بات يُستخدم أساساً لإعادة تقييم الحاجة إلى الحماية، لكن انتهاء الحرب السياسية لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها الإنسانية. ومن هنا ستبقى المسافة بين «العودة الممكنة» و«العودة الآمنة» هي الاختبار الحقيقي للسياسات الجديدة تجاه اللاجئين السوريين.

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 4 + 8