السلام وفق إسرائيل.. انسحاب مؤجل واحتلال مستمر

2026.08.16 - 17:28
Facebook Share
طباعة

 تضع تصريحات إسرائيلية متكررة بشأن البقاء العسكري في أجزاء من قطاع غزة ولبنان وسوريا، مفهوم السلام الإقليمي أمام اختبار يتجاوز حدود الترتيبات الأمنية المؤقتة، إذ تتحدث تل أبيب بصورة متزايدة عن مناطق عازلة ووجود عسكري طويل الأمد، في مقابل استمرار الحديث دوليًا عن التهدئة والتسويات السياسية.

آخر هذه المواقف جاء على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، خلال جولة في جنوب لبنان في 12 آب الجاري، إذ قال إن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من المواقع التي يسيطر عليها في لبنان وسوريا وقطاع غزة، رابطًا استمرار الوجود العسكري بما وصفه بإنشاء "منطقة أمنية عازلة".

ويعكس هذا الموقف، بصرف النظر عن المبررات الأمنية التي تقدمها إسرائيل، إشكالية أساسية في مسار التسويات الإقليمية، تتمثل في الفارق بين مفهوم الأمن الإسرائيلي كما تحدده تل أبيب، وبين مفهوم الانسحاب والسيادة الذي يفترض أن يكون جزءًا من أي تسوية مستقرة.


اقرأ أيضا:
أبرز الأحداث الأمنية في غزة والضفة الغربية بتاريخ 13_8_2026
الحية في القاهرة.. حماس تحسم موقفها من خطة ترامب

 

الأمن كمدخل لاستمرار الوجود

منذ اندلاع الحرب في غزة في تشرين الأول 2023، وسعت إسرائيل استخدام مفهوم "الدفاع عن النفس" لتفسير عملياتها العسكرية في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا.

وبمرور الوقت، لم يعد الخطاب الإسرائيلي يقتصر على التعامل مع تهديدات عسكرية محددة، بل امتد إلى ترتيبات جغرافية وأمنية طويلة الأمد، تشمل إقامة مناطق عازلة وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية ومنع عودة السكان إلى بعض المناطق.

وتقول إسرائيل إن هذه الإجراءات تهدف إلى منع تكرار هجمات تستهدف أراضيها، إلا أن استمرارها يطرح سؤالًا مختلفًا: متى تنتهي الضرورة الأمنية التي تبرر بقاء القوات الإسرائيلية خارج حدودها؟

هذه المسألة تبدو أكثر تعقيدًا في ظل غياب تعريف إسرائيلي واضح ومعلن للمرحلة التي يمكن عندها اعتبار الظروف الأمنية قد أصبحت مناسبة للانسحاب.

وفي غزة، ارتبطت العمليات العسكرية بدمار واسع وأزمة إنسانية كبيرة، بينما شهد جنوب لبنان خلال الفترة الماضية عمليات عسكرية وتغييرات ميدانية رافقتها مخاوف لبنانية من تحول الترتيبات الأمنية إلى واقع دائم. أما في سوريا، فتواصل إسرائيل تحركاتها العسكرية، خصوصًا في الجنوب، مع تكرار التوغلات والاستهدافات.

 

عقيدة القوة خلف الحسابات الإسرائيلية

لا يمكن فصل هذا السلوك عن تاريخ طويل من النقاش داخل الحركة الصهيونية بشأن طبيعة العلاقة مع الفلسطينيين والعرب.

ففي عام 1923 طرح زئيف جابوتنسكي مفهوم "الجدار الحديدي"، القائم على بناء تفوق عسكري يجعل التسوية ممكنة فقط بعد فرض واقع لا يمكن للطرف الآخر تغييره بالقوة.

وبغض النظر عن اختلاف الظروف التاريخية، ظل هذا التصور حاضرًا بدرجات مختلفة في التيارات اليمينية الإسرائيلية، وخصوصًا لدى التيارات الأكثر تشددًا في مسألة الأرض والسيادة والأمن.

وتظهر امتدادات هذه الرؤية في خطاب شخصيات داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية، من بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، اللذان يتبنيان مواقف أكثر تشددًا تجاه قيام دولة فلسطينية ومستقبل الأراضي المحتلة.

كما يرفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وفق تصريحاته الأخيرة، إقامة دولة فلسطينية خلال فترة توليه رئاسة الحكومة، في موقف يضعف عمليًا أحد أبرز المسارات التي طالما قدمت دوليًا بوصفها أساسًا لتسوية الصراع.

 

الضفة الغربية.. تغيير الوقائع على الأرض

في الضفة الغربية، لا يظهر مسار مختلف كثيرًا من حيث النتائج.

فالتوسع الاستيطاني، واعتداءات المستوطنين، ومصادرة الأراضي، والإجراءات العسكرية المتزايدة، تساهم في إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي بصورة تجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أكثر صعوبة.

وهنا تبرز أهمية الانتقال من قراءة التصريحات السياسية إلى متابعة الوقائع الميدانية. فحتى عندما تصدر مواقف غربية تنتقد الاستيطان أو عنف المستوطنين، تبقى قدرتها على تغيير مسار الأحداث محدودة ما لم تتحول إلى ضغوط سياسية واقتصادية وقانونية مؤثرة.

 

واشنطن بين التهدئة والدعم

تحتفظ الولايات المتحدة بدور رئيسي في معظم الملفات الإقليمية المرتبطة بإسرائيل، من غزة إلى لبنان وسوريا، وهو ما يجعل الموقف الأمريكي عاملًا أساسيًا في تحديد قدرة واشنطن على التأثير في سلوك حليفتها.

ورغم اختلاف مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة في بعض التفاصيل، بقيت العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب عنصرًا ثابتًا في الحسابات الإقليمية.

وفي أعقاب تصريحات كاتس الأخيرة، تحدثت واشنطن عن عدم وجود أطماع إسرائيلية في لبنان، بينما سبق لنتنياهو أن أعلن في حزيران الماضي أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان ما دام حزب الله يمثل، وفق تقديره، تهديدًا لأمنها.

وتكشف هذه المواقف عن معضلة واضحة: إذا كانت إسرائيل هي الطرف الذي يحدد طبيعة التهديد، ويقرر حجم الإجراءات المطلوبة لمواجهته، ويحدد في الوقت نفسه متى ينتهي هذا التهديد، فإن الترتيبات الأمنية قد تتحول من مرحلة انتقالية إلى وضع مفتوح زمنيًا.

 

السلام بين الاتفاقات والوقائع

تسعى واشنطن إلى تقديم عدد من المبادرات الإقليمية باعتبارها جزءًا من مسار أوسع للتهدئة وإعادة ترتيب العلاقات في المنطقة، بما في ذلك التفاهمات الأمنية واتفاقيات التطبيع.

لكن نجاح هذه المسارات لا يرتبط فقط بإعلان الاتفاقات، وإنما بقدرتها على إنتاج وقائع مستقرة على الأرض.

فالاتفاق الذي لا يحدد بوضوح مستقبل المناطق المحتلة، أو يترك مسألة الانسحاب مرتبطة بتقدير طرف واحد للتهديد، يبقى عرضة للتحول إلى ترتيب مؤقت بدل أن يكون تسوية نهائية.

وتزداد صعوبة المسألة مع وجود تيار يميني إسرائيلي يرى أن الأمن لا يمكن ضمانه من خلال الاتفاقات وحدها، وأن التفوق العسكري والوجود المباشر هما الضمانة الأكثر موثوقية.

 

ثلاث جبهات وسؤال واحد

في غزة ولبنان وسوريا، تختلف الظروف والاتفاقات والسياقات السياسية، لكن السؤال الذي يتكرر في الحالات الثلاث يتعلق بحدود الوجود العسكري الإسرائيلي ومدته.

فإذا كانت إسرائيل تربط الانسحاب بتحقيق شروط أمنية تحددها هي، وإذا كانت هذه الشروط قابلة للتوسع مع تغير التقديرات الأمنية، فإن الحديث عن الانسحاب يصبح مسارًا مفتوحًا على التأجيل.

وهذا لا يعني بالضرورة أن إسرائيل تتجه إلى احتلال دائم لكل المناطق التي توجد فيها قواتها، لكنه يعني أن منطق "المنطقة الأمنية" يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة تعريف الحدود الفعلية للحركة العسكرية، خصوصًا عندما يغيب ضغط دولي قادر على فرض سقف زمني واضح.

 

أي سلام تريده إسرائيل؟

المشكلة الأساسية ليست في إعلان إسرائيل حاجتها إلى الأمن، فهذا مطلب يمكن أن تتفق عليه معظم الأطراف، وإنما في الطريقة التي يجري بها تعريف الأمن وتحقيقه.

فإذا أصبح الأمن يعني استمرار السيطرة العسكرية، وإقامة مناطق عازلة، ومنع الخصوم من الاقتراب، ورفض قيام دولة فلسطينية، فإن التسوية تتحول تدريجيًا إلى إدارة للصراع بدل حله.

وفي المقابل، فإن أي سلام مستقر يحتاج إلى ترتيبات أمنية متبادلة، واحترام السيادة، وانسحابات محددة، وضمانات قابلة للتنفيذ، إلى جانب معالجة جذور النزاع بدل الاكتفاء بإعادة توزيع مناطق السيطرة.

 

وتشير التطورات الحالية إلى أن الفجوة بين هذه الرؤية وبين التصور الإسرائيلي للأمن ما تزال واسعة. وبينما تستمر القوى الدولية في الحديث عن التهدئة والتطبيع وإعادة تشكيل المنطقة، تواصل إسرائيل تثبيت وقائع عسكرية وجغرافية جديدة.

وبذلك يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن بناء سلام مستقر في منطقة تستمر فيها السيطرة العسكرية بوصفها الضمانة الأولى للأمن، أم أن أي تسوية لا تتضمن معالجة مسألة الاحتلال والانسحاب ستبقى مجرد هدنة مؤجلة لجولة جديدة من الصراع؟

 

الجزيرة + آسيا

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 6 + 8