أزمة تسويق تخنق الخضروات السورية رغم الطلب الأوروبي

2026.08.16 - 09:33
Facebook Share
طباعة

أزمة تتجاوز انخفاض الأسعار
تواجه الزراعة السورية أزمة متزايدة في تسويق الخضراوات، مع اضطرار بعض المزارعين إلى إتلاف جزء من إنتاجهم أو بيعه بأسعار تقل عن تكاليف نقله وإنتاجه، في وقت تستمر فيه الأسواق الأوروبية في استيراد كميات كبيرة من المنتجات الزراعية من دول متوسطية منافسة.
وتكشف الفجوة بين أسعار المنتج في مناطق حماة وحمص وأسعار الخضراوات في الأسواق الخارجية عن مشكلة تتجاوز وفرة المحاصيل، لتشمل ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وضعف البنية التحتية، وغياب سلاسل تبريد وفرز وتوضيب متطورة، إلى جانب صعوبة استيفاء المتطلبات الفنية والصحية للأسواق الأوروبية.

اقرأ أيضاً: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 14-8- 2026


خسائر في الحقول
ويواجه المزارعون في مناطق ريفية في سوريا عدة ضغوطاً متزايدة مع ارتفاع أسعار الأسمدة والبذور والمبيدات والمحروقات، إضافة إلى تكاليف الري والآليات وأجور العمالة والنقل.
ومع انخفاض أسعار بعض المحاصيل في أسواق الجملة، يجد المزارع السوري نفسه أمام خيار بيع الإنتاج بخسارة أو تركه في الحقول، خصوصاً عندما تتجاوز تكلفة نقله وتسويقه العائد المتوقع منه.
وفي مناطق من ريف حمص وحماة، دفعت الخسائر المتكررة بعض المزارعين إلى التفكير في تقليص المساحات المزروعة أو البحث عن مصادر دخل بديلة، في ظل صعوبة استرداد رأس المال المستثمر في الموسم الزراعي.

اقرأ أيضاً: أسراب الجراد تضرب سهل الغاب وتهدد محاصيل حماة


سوق أوروبية واسعة
وتبرز المفارقة عند مقارنة الواقع المحلي بالأسواق العالمية، التي تعتمد على الواردات لتلبية جزء مهم من احتياجاتها من الخضراوات والفواكه، ولا سيما من دول متوسطية مثل المغرب وتركيا ومصر والأردن.
ورغم امتلاك سوريا ظروفاً مناخية وزراعية تسمح لها بإنتاج أنواع متعددة من الخضراوات، فإن حضور المنتجات السورية في الأسواق الأوروبية لا يزال محدوداً مقارنة بحجم الإمكانات المتاحة.
ويرتبط ذلك بعدة عوامل، من بينها القدرة المحدودة على تأمين إمدادات منتظمة، وصعوبة الحفاظ على جودة المنتجات خلال عمليات النقل، وضعف شبكات التوزيع والتصدير المتخصصة.

اقرأ أيضاً: سوريا: القمح بلا سيولة.. المزارعون بين تعقيدات «شام كاش» وكلفة الري


المشكلة في سلسلة القيمة
ويرى مختصون أن الأزمة لا تتعلق بقدرة المزارع على الإنتاج فقط، وإنما بغياب سلسلة متكاملة تبدأ من الحقل وتنتهي بوصول المنتج إلى المستهلك النهائي.
وتشمل هذه السلسلة عمليات الفرز والتوضيب والتعبئة والتخزين المبرد والنقل، إضافة إلى أنظمة التتبع وشهادات سلامة الغذاء التي تعد من المتطلبات الأساسية للدخول إلى العديد من الأسواق الأوروبية.
وتؤدي محدودية هذه الخدمات في مناطق الإنتاج إلى ارتفاع نسبة الفاقد وتراجع جودة المنتجات، ما يقلل قدرتها على المنافسة الخارجية حتى عندما تكون تكاليف إنتاجها أقل من المنتجات المنافسة.


شروط أوروبية صارمة
ولا يقتصر التحدي على النقل واللوجستيات، إذ تتطلب الأسواق الأوروبية الالتزام بمعايير دقيقة تتعلق بسلامة الغذاء ومتبقيات المبيدات وأنظمة التتبع والتعبئة والمواصفات الصحية.
ويحتاج المنتج السوري إلى منظومة رقابة ومختبرات قادرة على إصدار شهادات الجودة المطلوبة، إضافة إلى شركات تصدير متخصصة تستطيع إبرام عقود منتظمة وطويلة الأجل مع المستوردين.
ويعني عدم توفر هذه المنظومة أن قدرة المزارع السوري على الوصول المباشر إلى الأسواق الخارجية تبقى محدودة، حتى عندما يكون المنتج قادراً من حيث الجودة على المنافسة.


النقل عقبة رئيسية
وتعد كلفة النقل والحاجة إلى سلسلة تبريد مستقرة من أبرز العقبات أمام تصدير الخضراوات الطازجة، التي تتطلب ظروفاً حرارية مناسبة منذ لحظة القطاف وحتى وصولها إلى المستهلك.
ويمكن للنقل البحري عبر الموانئ السورية، في حال توافر البنية المناسبة للحاويات المبردة، أن يشكل أحد المسارات إلى الأسواق الأوروبية، بينما يمثل النقل البري عبر تركيا خياراً آخر لبعض أنواع المنتجات والأسواق.
لكن نجاح أي من المسارين يرتبط بتوافر خدمات لوجستية منتظمة وسريعة، وقدرة على الحفاظ على جودة المنتجات طوال الرحلة.


فرصة تصديرية
ويشير عاملون في تجارة الخضراوات إلى أن الأسواق الأوروبية لا تبحث عن السعر فقط، بل عن الجودة والاستمرارية أيضاً، وأن المنتجات السورية قد تجد طلباً لدى المستهلكين العرب والسوريين في أوروبا، وربما لدى شرائح أوسع من المستهلكين، متى أصبحت متاحة بصورة منتظمة ووفق المواصفات المطلوبة.
ويحتاج التوسع في التصدير إلى تطوير شكل التعبئة والأحجام بما يتناسب مع أنماط الاستهلاك الأوروبية، إلى جانب توفير كميات ثابتة يمكن للمستوردين الاعتماد عليها طوال الموسم.


أثر يتجاوز المزارع
ولا يقتصر تنشيط تصدير المنتجات الزراعية على رفع دخل المزارعين، إذ يمكن أن يخلق فرص عمل في الفرز والتوضيب والتغليف والنقل والخدمات اللوجستية والتخزين والتصنيع الغذائي.
كما يمكن لزيادة الصادرات الزراعية أن تدعم تدفق العملات الأجنبية وتحسن الميزان التجاري وتشجع الاستثمار في الصناعات المرتبطة بالزراعة، بدءاً من التعبئة وصولاً إلى التصنيع الغذائي.


ما المطلوب؟
وتحتاج إعادة تنشيط الصادرات الزراعية السورية إلى خفض تكاليف الإنتاج، وتأمين الطاقة اللازمة للري، وتطوير مراكز حديثة للفرز والتوضيب والتخزين المبرد، وتعزيز قدرات المختبرات وشهادات الجودة.
كما يتطلب الأمر دعم شركات التصدير المتخصصة وتشجيع العقود المباشرة مع المستوردين، إلى جانب فتح قنوات تجارية جديدة وإزالة العقبات التي تحول دون وصول المنتجات السورية إلى الأسواق الخارجية.
ولا يمكن لهذه الإجراءات أن تحقق نتائج مستدامة من دون إعادة بناء منظومة متكاملة تربط المزارع بالمصدر والميناء والسوق النهائي، بدلاً من استمرار اعتماد المنتج على سوق محلية محدودة القدرة الاستيعابية.


فرصة مهدورة
تعكس أزمة الخضراوات السورية فجوة بين القدرة على الإنتاج والقدرة على التسويق والتصدير. وفي حال تطوير البنية التحتية وسلاسل التبريد والتوضيب والرقابة، يمكن تحويل فائض المحاصيل من عبء على المزارعين إلى فرصة تصديرية تفتح أسواقاً جديدة وتدعم الاقتصاد الزراعي.  

Facebook Share
طباعة عودة للأعلى
اضافة تعليق
* اكتب ناتج 7 + 7

اقرأ أيضاً