تتجه الاتصالات بين الحكومة السورية و”الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا إلى مرحلة أكثر حساسية، مع استمرار النقاش حول آليات تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، بالتوازي مع توترات أمنية شهدتها محافظة الحسكة خلال الأيام الماضية.
وفي أحدث المواقف السياسية، رفضت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية”، إلهام أحمد، استهداف مؤسسات الدولة السورية، مؤكدة أن قنوات التواصل مع دمشق ما تزال مفتوحة، وأن المباحثات تشمل ملفات تتجاوز الجانب الأمني إلى قضايا سياسية وإدارية وتعليمية وحقوقية.
وقالت أحمد، في تصريحات لفضائية “روناهي”، إن اللقاء الأخير مع المبعوث الرئاسي المكلف بمتابعة تنفيذ الاتفاق، زياد العايش، كان مقررًا مسبقًا، وتركز بصورة خاصة على ملف التعليم، إلى جانب التطورات السياسية والأمنية في الحسكة.
اقرأ أيضا: من الاحتجاجات إلى الإغلاق.. ماذا يجري للشبيبة الثورية؟
التوتر الأمني لا يوقف الاتصالات
جاءت تصريحات أحمد عقب اضطرابات شهدتها عدة مناطق في الحسكة يومي 10 و11 آب، على خلفية عودة عائلات نازحة إلى مدينة رأس العين، قبل أن تمتد التوترات إلى الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية وتل تمر ومعبدة.
وترافقت الأحداث مع احتجاجات وقطع طرق واعتداءات على مقار أمنية ومؤسسات وممتلكات عامة وخاصة، في وقت دخلت فيه الجهات الحكومية و”قسد” على خط معالجة التداعيات ومنع اتساعها.
وأكدت أحمد أن “الإدارة الذاتية” أجرت اتصالات مع الحكومة السورية لبحث ما جرى، مشددة على ضرورة تمكين النازحين من العودة إلى مناطقهم ورفض الاعتداء عليهم، لكنها في الوقت نفسه اعتبرت أن استهداف مؤسسات الدولة لا يمكن تبريره.
ويعكس هذا الموقف محاولة للفصل بين الملفات السياسية والخلافات المتعلقة بعودة السكان من جهة، وبين الحفاظ على المؤسسات العامة ومنع تحول الاحتجاجات إلى صدام أمني من جهة أخرى.
اجتماع جديد لدفع مسار الدمج
تزامنت التطورات الأمنية مع تحركات تهدف إلى استكمال تنفيذ الاتفاق الموقع بين دمشق و”قسد” في 29 كانون الثاني، والذي وضع إطارًا لدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية.
وفي 13 آب، أعلن قائد “قسد” مظلوم عبدي التوصل خلال اجتماع مع زياد العايش وقائد الفيلق الثاني عواد الجاسم إلى مجموعة من الحلول المتعلقة بعدد من الملفات، بينها الاعتداءات على مؤسسات الدولة وقضايا المدنيين المهجرين، إضافة إلى تسريع خطوات الدمج.
وأشار عبدي إلى أن الاجتماع ناقش أمن محافظة الحسكة واستقرارها، متحدثًا عن أجواء إيجابية وخطوات عملية لمعالجة الملفات العالقة.
وفي المقابل، أفادت “الإخبارية السورية” بأن الاجتماع تناول تفعيل بقية مؤسسات الدولة ومعالجة الملف الأمني، إلى جانب بحث دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة.
وتشير هذه التطورات إلى أن المسار التفاوضي لم يتوقف رغم التوترات الميدانية، وأن الطرفين يحاولان احتواء الخلافات ضمن القنوات السياسية والأمنية القائمة.
شراكة الكرد مقابل توحيد مؤسسات الدولة
لا تزال طبيعة الاندماج وشكله النهائي من أبرز نقاط النقاش بين الطرفين.
وترى أحمد أن الاندماج لا ينبغي أن يعني إلغاء البنية السياسية والإدارية التي تشكلت خلال السنوات الماضية في مناطق شمال شرقي سوريا، بل يجب أن يقترن بضمان مشاركة الكرد في مؤسسات الدولة وحماية حقوقهم السياسية والثقافية واللغوية.
وقالت إن دخول القوات العسكرية والأمنية الكردية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية يعني، من وجهة نظرها، أن الكرد يصبحون شركاء في مؤسسات الدولة، داعية إلى التعامل مع هذه العملية بعيدًا عن التوتر السياسي أو الخطاب التصعيدي.
في المقابل، تركز دمشق على إعادة توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء تعدد مراكز القرار الإداري والأمني والعسكري، وهو ما يجعل تفاصيل الدمج وآليات توزيع الصلاحيات من أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة.
التعليم واللغة الكردية في صلب التفاوض
ولا يقتصر الخلاف على الترتيبات الأمنية والإدارية، إذ يمثل ملف التعليم باللغة الكردية أحد الملفات التي تحاول “الإدارة الذاتية” تثبيتها ضمن الاتفاقات المقبلة.
وقالت أحمد إن لجنة خاصة تشكلت لمتابعة قضية التعليم باللغة الكردية، وإن النقاش مع دمشق يهدف إلى استمرار تدريس اللغة الكردية ضمن صيغة تعليمية متعددة اللغات.
ويحمل الملف أهمية خاصة بالنسبة للمجتمعات الكردية في المنطقة، بينما يمثل بالنسبة للحكومة السورية جزءًا من عملية إعادة تنظيم المؤسسات التعليمية ضمن منظومة الدولة.
ومن شأن التوصل إلى صيغة توافقية حول التعليم واللغة أن يخفف أحد أبرز مصادر الخلاف، خصوصًا أن أي ترتيبات جديدة في هذا المجال ستكون مرتبطة بصورة أوسع بمسألة الحقوق الثقافية والإدارية.
الحسكة أمام مرحلة إعادة ترتيب
تجري هذه المفاوضات في ظل تغير واضح في خريطة السيطرة والنفوذ داخل محافظة الحسكة، بعد توسع حضور مؤسسات الدولة في مناطق كانت خارج نطاق سيطرتها خلال السنوات الماضية، مقابل استمرار نفوذ “قسد” في مراكز حضرية رئيسية، بينها الحسكة والقامشلي.
وهذا الواقع يجعل تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني عملية تدريجية ومعقدة، إذ لا يتعلق الأمر بدمج تشكيلات عسكرية فقط، بل بإعادة تنظيم الإدارة والأمن والتعليم ومؤسسات الخدمات، إلى جانب تحديد شكل العلاقة بين السلطات المركزية والهياكل المحلية القائمة.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات أحمد بشأن رفض استهداف مؤسسات الدولة واستمرار الحوار ذات دلالة سياسية، خصوصًا أنها تأتي في وقت تحتاج فيه دمشق و”قسد” إلى منع الحوادث الأمنية من التحول إلى عامل يعطل مسار الاتفاق.
منصب دبلوماسي بانتظار الحسم
وفي جانب آخر من تصريحاتها، كشفت أحمد عن تلقيها عرضًا لتولي منصب دبلوماسي، لكنها أوضحت أن الإجراءات الرسمية المتعلقة بالمنصب لم تستكمل بعد.
كما قالت إن “الإدارة الذاتية” تتقبل الانتقادات، لكنها رفضت ما وصفته بالتشهير أو افتعال الأزمات، محذرة من أن إعادة إنتاج التوتر قد تدفع المنطقة نحو ظروف سبق أن مرت بها.
وبذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة ستضع الطرفين أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على المسار التفاوضي من جهة، ومنع الخلافات الأمنية والسياسية من تعطيل عملية الدمج من جهة أخرى.
ويبقى مستقبل الحسكة مرتبطًا إلى حد كبير بقدرة دمشق و”قسد” على تحويل التفاهمات العامة إلى ترتيبات عملية تتعلق بالأمن والإدارة والتعليم والحقوق الثقافية، خصوصًا أن نجاح الاتفاق لن يقاس فقط بإعلان التفاهمات، وإنما بمدى القدرة على تنفيذها دون عودة التوتر إلى الشارع.