دخلت «الشبيبة الثورية» مرحلة مختلفة في شمال شرقي سوريا، مع بدء إغلاق عدد من مقراتها في محافظة الحسكة، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الموجهة إلى أنشطتها بعد حوادث أمنية شهدتها مدينتا الحسكة والقامشلي خلال الأيام الماضية.
ولا يشير إغلاق بعض المقرات، حتى الآن، إلى قرار معلن بحل التنظيم بصورة نهائية، لكنه يأتي في توقيت يتزامن مع إعادة ترتيب المؤسسات والقوى المحلية ضمن مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية مع مؤسسات الدولة السورية، ما يضع مستقبل الهياكل المرتبطة بالمرحلة السابقة أمام أسئلة متزايدة.
اقرأ أيضا: أبرز الأحداث الأمنية في سوريا بتاريخ 14-8- 2026
توترات تعيد التنظيم إلى الواجهة
برز اسم «الشبيبة الثورية» مجدداً بعد أحداث شهدتها الحسكة والقامشلي في 11 آب، عندما تعرضت مقار تابعة للأمن الداخلي لاعتداءات، بحسب السلطات المحلية، في سياق التوتر الذي أعقب الاعتداءات التي طالت عائلات عائدة إلى مدينة رأس العين.
وأعلنت مديرية إعلام الحسكة آنذاك تعرض مقار أمنية للاعتداء وتضرر عدد من الآليات، إضافة إلى إنزال العلم السوري من أحد المقار.
وتسببت هذه الأحداث في زيادة الانتقادات الموجهة إلى التنظيم من شخصيات سياسية كردية، اعتبرت أن مثل هذه الممارسات تضر بالسلم الأهلي وتضعف الموقف الكردي في مرحلة تتطلب تفاهمات أوسع مع دمشق.
وقال عضو مجلس الشعب والقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني عبد الحكيم بشار إن الممارسات المنسوبة إلى «الشبيبة الثورية» تستدعي موقفاً واضحاً، معتبراً أن الدفاع عن الحقوق الكردية ينبغي أن يتم عبر مسار سياسي يحافظ على الاستقرار ولا يزيد الاحتقان بين مكونات المنطقة.
ما هي الشبيبة الثورية؟
ظهرت «الشبيبة الثورية» في سوريا خلال السنوات الأولى للحرب، وقدمت نفسها بوصفها تنظيماً شبابياً يهتم بالنشاط السياسي والاجتماعي والفكري، في حين تربطها مصادر بحثية وحقوقية بالمنظومة السياسية والفكرية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي.
ونشط التنظيم في مناطق شمال شرقي سوريا من خلال مراكز وأنشطة موجهة إلى الشباب، كما ارتبط اسمه خلال السنوات الماضية بحملات وفعاليات سياسية وميدانية.
وتعرض التنظيم لانتقادات حادة بسبب اتهامات تتعلق بتجنيد القاصرين، وهي اتهامات سبق أن وثقتها منظمات حقوقية دولية.
ملف التجنيد يلاحق التنظيم
في تشرين الأول 2024، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن «الشبيبة الثورية» جندت أطفالاً وفتيات في مناطق شمال شرقي سوريا، مشيرة إلى حالات قالت إنها تضمنت اقتياد قاصرين من مدارسهم وعائلاتهم وإلحاقهم بجماعات مسلحة.
وتعد مسألة تجنيد الأطفال من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى التنظيم، نظراً لما تفرضه القواعد الدولية من حماية خاصة للقاصرين في أوقات النزاعات المسلحة.
ورغم مرور فترة على تلك الاتهامات، فإنها لا تزال حاضرة في النقاش حول مستقبل التنظيم، خصوصاً مع إعادة تنظيم البنية الأمنية والعسكرية في المنطقة.
الدمج يغيّر قواعد اللعبة
يأتي إغلاق بعض المقرات في الحسكة ضمن مشهد أكبر يتعلق بمسار دمج المؤسسات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.
فالاتفاقات المعلنة بين الطرفين لا تتعلق فقط بالترتيبات العسكرية، وإنما تشمل إعادة تنظيم مؤسسات الإدارة والأمن والخدمات، وهو ما يفرض عملياً إعادة النظر في عدد من التشكيلات والهياكل التي نشأت خلال سنوات الإدارة الذاتية.
وفي هذا السياق، يرى باحثون أن مستقبل «الشبيبة الثورية» أصبح مرتبطاً بدرجة كبيرة بمآلات الاتفاق بين دمشق وقسد، وبمدى قدرة الطرفين على الوصول إلى صيغة تنهي تعدد البنى الأمنية والتنظيمية داخل المنطقة.
ويرى الباحث السياسي داود السيد أن استمرار نشاط التنظيم يمثل عائقاً أمام عملية الدمج، داعياً إلى إنهاء وجوده التنظيمي، بينما يعتبر الباحث عبد الله الحمد أن نشاطه يؤثر سلباً في العلاقة بين دمشق وقسد، حتى وإن لم يكن قادراً بمفرده على تعطيل مسار الدمج.
هل يعني الإغلاق نهاية التنظيم؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات معلنة تسمح بالجزم بأن «الشبيبة الثورية» اتخذت قراراً بحل نفسها أو أن وجودها انتهى بصورة كاملة.
لكن إغلاق مقرات في الحسكة، إذا استمر وتوسع، قد يمثل تحولاً مهماً في طبيعة حضور التنظيم، خصوصاً إذا ترافقت الخطوة مع إعادة توزيع الصلاحيات الأمنية والسياسية ضمن المؤسسات الجديدة.
ويبدو أن المسألة تتجاوز مصير مجموعة شبابية بعينها، لتتصل بإعادة تعريف القوى التي تستطيع العمل بصورة علنية داخل مناطق شمال شرقي سوريا، والجهات التي ستحتفظ بالنفوذ بعد اكتمال ترتيبات الدمج.
وبالنسبة إلى دمشق، فإن ضبط التشكيلات المسلحة والهياكل التنظيمية خارج مؤسسات الدولة سيكون جزءاً أساسياً من اختبار قدرتها على بسط سلطة المؤسسات.
أما بالنسبة إلى قسد، فإن التعامل مع التنظيمات المرتبطة بها فكرياً وسياسياً سيكون من الملفات الحساسة في أي تفاهم نهائي مع الحكومة، خصوصاً إذا أصبح استمرار هذه التشكيلات سبباً لتجدد التوترات المحلية.
وبالتالي، فإن إغلاق المقرات لا يعني بالضرورة نهاية «الشبيبة الثورية»، لكنه قد يكون مؤشراً على أن البيئة التي سمحت لها بالعمل خلال السنوات الماضية تتغير تدريجياً، وأن المرحلة المقبلة ستفرض عليها، وعلى القوى المرتبطة بها، خيارات أكثر وضوحاً بشأن موقعها داخل الترتيبات السورية الجديدة.