تتحول القارة الإفريقية إلى ساحة تنافس متصاعد بين قوى إقليمية تسعى إلى توسيع حضورها الاقتصادي والعسكري والسياسي، في ظل سباق على الموارد الطبيعية والموانئ والممرات البحرية. وتبرز السعودية وتركيا والإمارات في مقدمة اللاعبين الذين يضخون أموالاً كبيرة ويعززون شراكاتهم مع دول القارة.
اقرأ أيضاً:أسعار النفط ترتفع مع تهديد واشنطن بحصار إيران
البحر الأحمر بوابة التحرك
يرتبط جانب من هذا التنافس بالممرات البحرية الواقعة عند البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث أعلنت السعودية إنشاء تحالف بحري يضم 13 دولة بهدف تعزيز أمن الملاحة وحماية طرق التجارة.
انضمت تركيا إلى التحالف بموجب اتفاقية دفاعية مشتركة وُقعت في مكة المكرمة إلى جانب باكستان، في خطوة تعكس اتساع نطاق التعاون الأمني بين القوى الإقليمية حول أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ترى المحللة لورا تينغل من هيئة الإذاعة الأسترالية «ABC» أن التحركات الأمنية في البحر الأحمر قد تكون مدخلاً إلى حضور أوسع داخل القارة، في مشهد يشبه التنافس التاريخي على إفريقيا، لكن بأدوات مختلفة تقوم على الاستثمار والتعدين وإدارة الموانئ.
المعادن في قلب السباق
تمثل الموارد المعدنية أحد أبرز دوافع التوسع الاقتصادي في إفريقيا، إذ تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى امتلاك القارة نحو 15% من احتياطيات العالم من العناصر الأرضية النادرة.
اقرأ أيضاً:سوريا: القمح بلا سيولة.. المزارعون بين تعقيدات «شام كاش» وكلفة الري
تضم القارة كذلك كميات كبيرة من معادن استراتيجية، بينها الليثيوم والكوبالت، وهما من الموارد الأساسية في تصنيع بطاريات السيارات الكهربائية وعدد من الصناعات التكنولوجية والدفاعية.
دفعت أهمية هذه الموارد بعض الحكومات الإفريقية إلى إعادة النظر في سياسات تصدير المعادن الخام، إذ بدأت دول مثل الكونغو وزيمبابوي فرض قيود على تصدير بعض المواد المعدنية ورفع الضرائب المرتبطة بها بهدف زيادة العائد المحلي.
السعودية تضخ 41 مليار دولار
وسعت الرياض حضورها الاقتصادي في القارة عبر استثمارات في قطاعات التنمية والصناعة والزراعة والأراضي.
بلغت قيمة الالتزامات الاستثمارية السعودية في إفريقيا، وفق المعطيات الواردة في التقرير، أكثر من 41 مليار دولار، في مؤشر على توجه المملكة لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول القارة والاستفادة من فرص النمو والموارد الطبيعية.
تتداخل هذه الاستثمارات مع أهداف أوسع مرتبطة بأمن الغذاء وسلاسل الإمداد وتنويع الاستثمارات خارج الأسواق التقليدية.
تركيا توسع نفوذها
شهد الحضور التركي في إفريقيا توسعاً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، شمل زيادة عدد البعثات والعلاقات الدبلوماسية، إلى جانب اتساع شبكة الخطوط الجوية التركية وتعزيز الصادرات إلى الأسواق الإفريقية.
يمتد الحضور التركي كذلك إلى المجال العسكري، خصوصاً عبر التعاون الأمني وتصدير الأسلحة والتدريب.
برز الانخراط التركي في ملفات ليبيا والصومال والنيجر، ما منح أنقرة حضوراً يتجاوز النشاط التجاري والدبلوماسي إلى مجالات ترتبط بالأمن والدفاع.
الإمارات تتصدر الاستثمارات
يبرز الدور الإماراتي بوصفه الأوسع من حيث حجم الاستثمارات الواردة في التقرير.
بحسب تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز»، ضخت أبوظبي منذ عام 2017 أكثر من 168 مليار دولار في إفريقيا، موزعة على قطاعات متعددة.
تشمل الاستثمارات إدارة موانئ في 13 دولة عبر شركة «موانئ دبي العالمية»، إلى جانب مشروعات في الزراعة والتعدين وامتلاك مساحات واسعة من الأراضي المخصصة للنشاط الزراعي والاستخراج المعدني.
منحت السيطرة على الموانئ الإمارات حضوراً استراتيجياً في خطوط التجارة التي تربط إفريقيا بالشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، خصوصاً في المناطق القريبة من طرق الملاحة الدولية.
السودان يضع أبوظبي تحت الضغط
رافق التوسع الإماراتي في إفريقيا جدل سياسي، خصوصاً في السودان، حيث واجهت أبوظبي اتهامات دولية بدعم قوات الدعم السريع.
تنفي الإمارات هذه الاتهامات بشدة، بينما جعل استمرار الحرب السودانية من علاقات القوى الإقليمية بأطراف الصراع موضع متابعة دولية واسعة.
يمنح الموقع الجغرافي للسودان أهمية خاصة في حسابات القوى المنخرطة في البحر الأحمر، نظراً إلى امتلاكه ساحلاً طويلاً وقربه من طرق الملاحة ومناطق القرن الإفريقي.
منافسة تتجاوز الاقتصاد
لا تقتصر التحركات السعودية والتركية والإماراتية على البحث عن فرص استثمارية، بل تمتد إلى بناء نفوذ سياسي وأمني طويل الأمد.
تجمع القارة بين الموارد الطبيعية الضخمة والموقع الجغرافي الذي يربط المحيطين الهندي والأطلسي بالبحر الأحمر والمتوسط، ما يجعلها ذات قيمة متزايدة في الحسابات الجيوسياسية.
يمنح الاستثمار في الموانئ والتعدين والزراعة والنقل القوى الإقليمية أدوات نفوذ تتجاوز العوائد الاقتصادية، بينما يوفر التعاون العسكري والأمني قدرة أكبر على حماية المصالح المرتبطة بهذه القطاعات.
إفريقيا تتحول إلى ساحة نفوذ جديدة
تكشف التحركات المتزامنة للرياض وأنقرة وأبوظبي عن تحول إفريقيا إلى مجال رئيسي في استراتيجيات القوى الإقليمية، مع تزايد أهمية المعادن الحيوية والممرات البحرية والأراضي الزراعية.
يختلف هذا التنافس عن أشكال السيطرة الاستعمارية التقليدية، إذ تعتمد الأدوات الحالية بصورة أكبر على الاستثمارات والشراكات التجارية والوجود العسكري والتعاون الأمني وإدارة البنية التحتية الحيوية.
ومع استمرار تدفق الأموال وتوسع الحضور الدبلوماسي والعسكري، تبدو إفريقيا مرشحة لأن تصبح واحدة من أبرز ساحات إعادة تشكيل النفوذ الدولي خلال السنوات المقبلة.